بين هاجس الكتابة ورمزية الدلالات
قراءة في المجموعة القصصية القصيرة جدا الرقص تحت المطر لحسن البقالي
ركاطة حميد المغرب
القصة القصيرة جدا جنس أدبي فرض نفسه بالقوة في المشهد الثقافي المغربي والعربي ، بفضل مجموعة من المبدعين الذين كان لإصداراتهم الأولى الجريئة الفضل في تمكين القارئ المغربي من التعرف على هذا الجنس أكثر وعن قرب ،كما شكلت المهرجانات الثقافية الخاصة بالقصة القصيرة جدا في كل من أصيلا ، والفقيه بنصالح ، والدار البيضاء ومكناس ،من تجمع العديد من الكتاب والنقاد والمهتمين بهذا الجنس القصصي ناهيك عن العديد من النصوص المنشورة رقميا لكتاب أبدعوا بدورهم وتميزوا لكن دون الإقدام على نشر أعمالهم القصصية القصيرة لسبب من الأسباب .
من بين المبدعين الذين كتبوا في مختلف الأجناس الأدبية ( رواية /قصة قصيرة / قصة قصيرة جدا ) القاص والروائي المغربي حسن البقالي بحيث صدر له سبعة أجراس عن منشورات اتحاد كتاب المغرب سنة 1991 وعن منشوارت وزارة الثقافة 2009 مجموعة قصصية قتل القط ، والإقامة في العلبة مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب2009 ، والرقص تحت المطر بالقاهرة سندباد للنشر والإعلام سنة 2009 .لندرك أننا إزاء كاتب متعدد جاء إلى القصة القصيرة جدا محنكا بتجربة كبيرة في ميدان الكتابة الإبداعية . وكتابات حسن البقالي لم تتلق مواكبة نقدية تليق بها ولم تنصف ، لتميط اللثام عن عوالمه الضاجة بالحياة ولإكتشاف أسلوبه وكتابته المغايرة وطريقتة الخاصة في التناول من خلال مشروعه الأدبي المتميز.ولعل ما يثير الإنتباه إليه في هذا الصدد عمله الأخير والمتعلق بمجموعته القصصية القصيرة جدا الرقص تحت المطر .
تحدو القاص حسن البقالي رغبة عميقة في الكتابة باسلوب جديد ، اعتمادا على البناء المتوازي للنصوص بدلالات عميقة جدا ، فجاءت مواضيعها حارقة ، وكأنها تؤسس لمنهج جديد يعتمد على البناء الرصين والتناول المغاير وبتأثيت جمالي متعدد ، يحس معه القارئ بتمرير رسائله بسلاسة ، خالقا منحى خاصا في الكتابة ، التي تحضر فيها الحكاية بقوة مبتعدة عن كل تجريب ، مبرزة وعيا عميقا من خلال أحداثها المشرقة المومضة المنفتحة على عوالم سردية تشتغل على اللغة والتخييل مما جعلها تلفت الإنتباه ،كشكل تعبيري آسر .
ومن خلال قراءتنا للمتن القصصي لامسنا عن قرب سعيه الحثيت لخلق عوالم قصصية تحفر بشكل عمودي داخل أعماق النفس البشرية بنوع من الإثارة ، تعتمد التشويق وشد الأنفاس . فكانت المواضيع المتناولة متعددة ومختلفة كالكتابة / والموت / والجنس / والطفولة / والجنون / وموت القيم / والحرمان / والإرهاب/ والحب/ والعنف والقمع ./ والسخرية…
ولعل هذا التعدد في التناول يجعلنا نأخذ نظرة عن عوالم القاص حسن البقالي ورؤاه الإبداعية ، من خلال ممارسة غوايته الساحرة على العديد من الأجناس الأدبية ومنها القصة القصيرة جدا والتي اكتسبت جاذبية وتكثيف لغوي يحتفي باليومي ولحظاته المنفلتة . فماهي مميزات هذه الكتابة وكيف تجلت من خلال مجموعة الرقص تحت المطر ؟
القصة القصيرة جدا وهاجس الكتابة
يشيرالدكتور حسن المودن* أن القصة القصيرة جدا كثيرا ما تشتبه بالحلم في اشياء كثيرة ..فهي تستخدم آليات التكثيف والتحويل ، والترميز والنوع الدرامي السريع ، وتقول الذاتي والغريب واللآ مرئي واللآواقع ، وتنتهك الحدود بين الواقع والمتخيل"
إنه لمن الصعب جدا كتابة قصص قصيرة جدا واضحة المعالم ، عميقة الدلالات ، غنية وموشحة بجماليات خاصة ، وبالتالي اعتماد طريقة مميزة تلعب على التوازي بين نصين لتقديم وجهة نظر أو فكرة أو صورة أو رؤية أو منظور خاص ،وفق شروط محددة ، فقليلة هي المجاميع القصصية القصيرة جدا التي أستطاع أصحابها رسم ملامح قصص واضحة المعالم ، مكتنزة وكثيفة ، وبحكايات محبوكة ، وبنهاية تكسر أفق التلقي بشكل أو بآخر دون المساس بوحدة الموضوع أو الحدث ، أو على حساب ركن من أركان القصة القصيرة جدا ، لكن مع نصوص الرقص تحت المطر نجد عوالم الحكي المتنوع وحركية نصوص و وجوه وملامح ساحرة وساخرة في نفس الوقت .
إن نصوص حسن البقالي يمكن اعتبارها حالات وجودية بالغة الدلالات تفتح هامشا كبيرا للتأويل وربما هذا ما جعل التاقد سمير الفيل **يشير إلى كون نصوص المجموعة " تغامر بالدخول في بنى جمالية مغايرة مكتنزة بالسحر والتكثيف المدهل مع استكناه أبعاد اللعبة السردية التي تقوم بعملية اكتشاف ومحو بصورة مضمرة وخفية"
لقد شكلت الكتابة هاجسا مقلقا بالنسبة للقاص حسن البقالي ، إلى درجة أن أول نص صدر به المجموعة كان " دمى روسية" ص 5 ومن خلاله سحبنا الكاتب إلى متاهات الإبداع وتقلبات المبدع وهو أمر كان رامزا منذ البداية بعمق إلى "انتهاك روح الإبداع "وما تتعرض له الفكرة الكبيرة من تقزيم متواصل إلى أن تصير فكرة الرواية مجرد " قصة قصيرة جدا " ص5 وهو ما يفتح شهية التساؤل من خلال قراءة معكوسة للنص ، أليست القصة القصيرة جدا هي الجنس الأدبي الأكثر تمنعا وكثافة وعمقا أنها أشبه" بدمى روسية " لكنها تحتاج لقدرات هائلة لإضفاء ملامح الجمال والإمتاع عليها لكي تصير جذابة وهو امر لايتاتى إلا بالبناء المغاير والعصف بأفق انتظار المتلقي مما يدفعه للإستنتاج مادام ترقبه إنقلب راسا على عقب فتتحول الإثارة إلى صدمة والأحداث العادية إلى نازلة تفرض اجتهادات متعددة .
إن القارئ لنص زبون (1) يطوح به العنوان بعيدا وأحداث النص أبعد وقد أغلقت عليه كما أغلقت الساحرة على عفريت السرد داخل قنينة شفافة سرعان ما تتوق ( القنينة) إلى العودة الى مادة تركيبها الأصلية وتتحول ذرات رمل متناثرة يستحيل القبض عليها..
إنها نقيض التركيبة المستعملة في بناء هذا النص الذي يأبى إلا أن ينفلت في النهاية مطوحا بتوقعات قارئه.نظرا لبنائه المغاير جدا . وفي نص " مرة غير قابلة للتكرار ص 52 نجد نصا هادرا يهز القارئ من الأعماق كتب ببلاغة واستعمل فيه تصوير منح المشاهد قوة جعلت من البناء المعتمد على تركيب الصور المتناسلة بالإحتمالات والإفتراضات مشاهد أخرى تساهم في بناء نص ضمني آخر على نفس المنوال مما جعلهما نصين متوازيين ، لكن ليس لهما نفس الأثر لأن نص النظرة الأولى تمت في لحظة غير قالبة للتكرار وهو امتاع جسد خاتمة لنص آخر مستنتج مع تأكيد مطلق " هذا معناه أني لن أمر من هناك أبدا " ص52 وقد عصف السارد بكل توقعات واحتمالات قارئه السابقة.
في حين ينحو بنا نص القصة والسمكة المبعثرة ص 68 باتجاه تحديد مفهوم القصة القصيرة جدا ، وما خلفته من مناقشات صاخبة بين الكتاب والنقاد حول مفهومها وبنيتها ومقوماتها ، وأسسها ، ومضامينها ، يتحدث السارد عن نص " السمكة المبعثرة وهي للقاص المغربي حسن برطال * الذي عرف ككاتب متمرس سلك طريقا خاصا في كتابته العميقة والكثيفة والصعبة الإختراق من الوهلة الأولى لكونها تتصف بمواصفات تجعلها لا تتحمل أية إضافات ، ولأن بناءها يشيد بقاييس وأبعاد هندسية تحتل فيها المعادلة الرياضية الحيز الأكبر . يقول السارد : "لم يبق من نصيبه في (الشبكة) سوى(سمكة) مبعثرة*
وقد اثار النص حفيظة بعض النقاد في البداية لكن بعد تأملهم العميق وإعادة النظر في النص أدركوا حقيقة لامفر منها و" لايتعدر إنكارها وهي أن جملة واحدة يمكن أن تشكل قصة ، تماما مثلما يمكن لقصة أن تحاكي العالم"ص 68
إن نص سمكة بقدر ما يعبر عن صعوبة تفهم النقاد أحيانا لأبعاد نصوص القصة القصيرة ، يبرز من جهة أخرى ردود افعالهم المتسرعة ، ويبرز في الآن نفسه تلك الصعوبة في الإختراق الأولي لمساحات البياض والحدف وتفكيك الكتافة الدالة على مرجعيات القاص المتعددة ، ونظرته إلى الواقع والأشياء.
يشير الدكتور جميل حمداوي ***أن فن القصة القصيرة جدا فن صعب المراس يستوجب الدقة ومهارة الكتابة والتمكن من تقنيات التكثيف والإختزال وتوظيف النزعة القصصية المناسبة بصورها البلاغية والسردية …وتوظيف الإثارة والإدهاش والإغراب …كما على الناقد ألا يتسرع في حكمه وتقويمه ، وأن يرحب بهذا الفن المستحدث تشجيعا وترحيبا ليتبوأ مكانته المناسبة بين الأجناس الأدبية المعروفة.
ولعل استئثار مجموعة الرقص تحت المطر بطرحها لإشكال الكتابة القصصية القصيرة جدا يبرز ذاك الجدل القائم بحدة حول هذا الجنس الزئبقي ووجهة نظر كتابها ومواقف النقاد منها وبالتالي يبرز من جهة أخرى تعدد زوايا النظر إليها سواء إبداعيا أو نقديا وهي ظاهرة صحية وخطوة رائدة نحو تاصيل هذا الجنس وابعاده من صولات التجريب . ولاغرابة في ذلك فربما نفس المواقف سبق طرحها بانسبة للأجناس الأدبية الأخرى من قبل الرواد الأوائل في أمريكا الاتنية وأوربا مما يعطينا انطباعا صادقا أن القصة القصيرة جدا رغم خروجها من رحم القصة القصيرة بولادة قيصرية فقد وضعت لها موطئ قدم بالقوة وتفردت بقدرتها على استيعاب مقومات وجماليات تلك الأجناس، فبالرغم من صغر جسدها فصدرها الرحب وشهيتها النهمة لن تتوقف أبدا ..
بين الموت الرمزي والموت الحقيقي شعرة من الحمق والجنون
لقد تشكل الموت في نصوص حسن البقالي بشكل ساخر وغريب جدا بحيث نجد ذلك الإنسياق المتداعي كما هو الحال بالنسبة لنص " أنا فريدريش مارو أريد.." ص6 إحالة على مدرسة التنداي ، وكأن الهدف منها توظيف فكرة التجلي والتعدد ، وبالتالي إضفاء واقعية على الحدث وتبرير الوقائع باعتيادية وهو ما جعلنا داخل إطار الحدث العام – الذي قد يستهجنه القارئ- لكن قصدية الكاتب كانت هي الحاسمة يقول " باستثناء ذلك القادم من بعيد الذي رأى فيه واحدا من الثلاثة آلاف تجل للحب" ص7 .
إن الإنسياق نحو الموت بحب يجعل من هذا النص نافذة للإطلالة على عوالم النفسية الإنسانية وغياهب مجاهيلها المعقدة والغريبة على عكس المعتاد .
كما نجد تنبوءا بالموت يصبح فيه المتنبئ هو الضحية و التي لم تكن سوى العرافة التي كشفت عن حجب الرؤيا الغائبة وافشت سر اللعنة الكامن في العروق ..دم السفاح الغائر على الدوام المتعطش للسفك والقتل " اعترى الفتى بعض شحوب ، ذلك أنه أدرك بفضاظة متعالية أن يقين المراة هو يقينه "ص8 ليبادر إلى تنفيد جريمته.
لم تكن المناقب التي عددتها العرافة بكافية عن تنيه، ففراستها كانت لعنة الحقت بها مآلا دراميا وقد كشف ضمنيا تعلقها به " ستحطم قلب كل امراة أغرمت بك" ص8 ليدرك أن قراءة العرافة لم تضع في حساباتها مآلها المنتظر ولربما كانت قد أحجمت عن الفعل .
لقد كان قدر الموت وهو يطيح بالعديد من الرؤوس والشخوص وفي ظروف أدعى إلى الدهشة والتساؤل وأحيانا إلى الموت ضحكا ، كما هو الحال في نص" الموت من الضحك" ص9 حيث يتحرك الوعي والمخزون النفسي ليفجر المكبوت لحظة السكر ، فتتحرر الحواس من قيودها وتتناسل الأفكار القابلة للتنفيد دون عقد أو تأنيب ضمير فيبدو العسير هينا والمحظور مباحا وقد اختفى الوازع واندحرت القيم يقول السارد" الحياة متعبة وعلى المرء مجابهتها باقتراف حماقات مضحكة "ص 9 وهي فكرة قلبت واقع البطل رأسا على عقب فالرغبة في اجتراح فعل غير مألوف مع الزوجة التي كان يصفها ب"تلك العبوس الأبدية ينبغي أن اجعلها تضحك لبعض الوقت "ص 8 انتهى به المطاف في النهاية باقتراف جريمة بشعة" خرج…وباليد ساطور هوى على الزوجة النائمة وهو يموت من الضحك"ص 9 .
لقد اتخذ الموت مفهوما حقيقيا ومجازيا في نصوص "الرقص تحت المطر "من بينها نص " سقوط" ص29 حيث يقرن السارد وفاة شاعر مغربي بلحظة حاسمة لموت بطل رواية وهو ينساق نحو حتفه محاورا القارئ من خلال تشكيل نص موازي شد الأنفاس بوصفه للحظات الحتف الأخيرة وتحول الرصاصة إلى كلمة والمصلوب على سارية الإعدام لوردة مما شكل تماهيا لبطلين وحدثين قاسمهما المشترك الموت ولحظتها الرهيبة التي اسقطت الشاعر المعلن عن وفاته في بداية النص" في ذلك اليوم توفي شاعر مغربي"ص 29 غير أن التوظيف اللغوي في النص ربما طرح بعض اللبس بالنسبة للقارئ حول دواعي الخبر الأول والحدث الثاني لبطل الرواية ( إعدام) لكن ما يشفع له" النص"هو اللغة الشاعرية التي تم توظيفها والبناء الضمني للحدث " الإرتطام" الذي يحيل على موت شاعر معتقل .
لقد شكل نص "سقوط" في أبعاده سقوط الكلمة في مواجهة الإستبداد لحظيا ، ودلالة على موت وسقوط الأستبداد بعديا فالإنتصار كان وسيكون دوما للكلمة رغم موت صاحبها .وكأني إزا


























