بين هاجس الكتابة ورمزية الدلالات

كتبها حميد ركاطة ، في 27 مايو 2009 الساعة: 23:16 م

بين هاجس الكتابة  ورمزية الدلالات

قراءة في المجموعة القصصية القصيرة جدا الرقص تحت المطر لحسن البقالي

                                                                                                                     ركاطة حميد المغرب

 

القصة القصيرة جدا جنس أدبي فرض نفسه بالقوة في المشهد الثقافي  المغربي والعربي ، بفضل مجموعة من المبدعين الذين كان لإصداراتهم الأولى الجريئة  الفضل في تمكين القارئ المغربي من التعرف على هذا الجنس  أكثر وعن قرب ،كما شكلت المهرجانات الثقافية الخاصة بالقصة القصيرة جدا  في كل من أصيلا ، والفقيه بنصالح ، والدار البيضاء ومكناس ،من تجمع العديد من الكتاب والنقاد والمهتمين بهذا الجنس القصصي  ناهيك عن العديد من النصوص المنشورة رقميا لكتاب أبدعوا بدورهم وتميزوا لكن دون الإقدام على نشر أعمالهم القصصية القصيرة لسبب من الأسباب .

من بين المبدعين الذين كتبوا في مختلف الأجناس الأدبية ( رواية /قصة قصيرة / قصة قصيرة جدا ) القاص والروائي المغربي حسن البقالي بحيث صدر له سبعة أجراس عن منشورات اتحاد كتاب المغرب  سنة  1991 وعن  منشوارت وزارة الثقافة 2009  مجموعة قصصية قتل القط ، والإقامة في العلبة مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب2009 ، والرقص تحت المطر بالقاهرة سندباد للنشر والإعلام سنة 2009 .لندرك أننا إزاء كاتب متعدد جاء إلى القصة القصيرة جدا محنكا بتجربة كبيرة في ميدان الكتابة الإبداعية . وكتابات حسن البقالي لم تتلق مواكبة نقدية تليق بها ولم تنصف ، لتميط اللثام عن عوالمه الضاجة بالحياة ولإكتشاف أسلوبه وكتابته المغايرة وطريقتة الخاصة في التناول من خلال مشروعه الأدبي المتميز.ولعل ما يثير الإنتباه إليه  في هذا الصدد عمله الأخير والمتعلق بمجموعته القصصية القصيرة جدا الرقص تحت المطر .

 

تحدو القاص حسن البقالي رغبة عميقة في الكتابة باسلوب جديد ، اعتمادا على البناء المتوازي للنصوص بدلالات عميقة جدا ، فجاءت مواضيعها حارقة ، وكأنها تؤسس لمنهج جديد يعتمد على البناء الرصين والتناول المغاير وبتأثيت جمالي متعدد ، يحس معه القارئ بتمرير رسائله بسلاسة ، خالقا منحى  خاصا في الكتابة ، التي تحضر فيها الحكاية بقوة مبتعدة عن كل تجريب  ، مبرزة وعيا عميقا من خلال أحداثها المشرقة المومضة المنفتحة على عوالم سردية تشتغل على اللغة والتخييل مما جعلها تلفت الإنتباه ،كشكل تعبيري آسر .

ومن خلال قراءتنا للمتن القصصي لامسنا عن قرب سعيه الحثيت لخلق عوالم قصصية تحفر بشكل عمودي داخل أعماق النفس البشرية بنوع من الإثارة ، تعتمد التشويق وشد الأنفاس . فكانت المواضيع المتناولة متعددة ومختلفة كالكتابة / والموت / والجنس / والطفولة / والجنون / وموت القيم / والحرمان / والإرهاب/ والحب/ والعنف والقمع ./ والسخرية…

ولعل هذا التعدد في التناول يجعلنا نأخذ نظرة عن  عوالم القاص حسن البقالي ورؤاه الإبداعية ، من خلال ممارسة غوايته الساحرة على العديد من الأجناس الأدبية ومنها القصة القصيرة جدا والتي اكتسبت جاذبية وتكثيف لغوي يحتفي باليومي ولحظاته المنفلتة . فماهي مميزات هذه الكتابة وكيف تجلت من خلال مجموعة الرقص تحت المطر ؟

 

القصة القصيرة جدا وهاجس الكتابة

 

يشيرالدكتور حسن المودن* أن القصة القصيرة جدا كثيرا ما تشتبه بالحلم في اشياء كثيرة ..فهي تستخدم آليات التكثيف والتحويل ، والترميز والنوع الدرامي السريع ، وتقول الذاتي والغريب واللآ مرئي واللآواقع ، وتنتهك الحدود بين الواقع والمتخيل"

إنه لمن الصعب جدا كتابة قصص قصيرة جدا واضحة المعالم ، عميقة الدلالات ، غنية وموشحة بجماليات خاصة ، وبالتالي اعتماد طريقة مميزة تلعب على التوازي بين نصين لتقديم وجهة نظر أو فكرة أو صورة أو رؤية أو منظور خاص ،وفق شروط محددة ، فقليلة هي المجاميع القصصية القصيرة جدا التي أستطاع أصحابها رسم ملامح قصص واضحة المعالم ، مكتنزة وكثيفة ، وبحكايات محبوكة ، وبنهاية تكسر أفق التلقي بشكل أو بآخر دون المساس بوحدة الموضوع أو الحدث ، أو على حساب ركن من أركان القصة القصيرة جدا ، لكن مع نصوص الرقص تحت المطر نجد عوالم الحكي المتنوع وحركية نصوص و وجوه وملامح ساحرة وساخرة في نفس الوقت .

إن نصوص حسن البقالي يمكن اعتبارها حالات وجودية بالغة الدلالات تفتح هامشا كبيرا للتأويل وربما هذا ما جعل التاقد سمير الفيل **يشير إلى كون نصوص المجموعة " تغامر بالدخول في بنى جمالية مغايرة مكتنزة بالسحر والتكثيف المدهل مع استكناه أبعاد اللعبة السردية التي تقوم بعملية اكتشاف ومحو بصورة مضمرة وخفية"

لقد شكلت الكتابة هاجسا مقلقا بالنسبة للقاص حسن البقالي ، إلى درجة أن أول نص صدر به المجموعة كان " دمى روسية" ص 5 ومن خلاله سحبنا الكاتب إلى متاهات الإبداع وتقلبات المبدع  وهو أمر كان رامزا منذ البداية بعمق إلى "انتهاك روح الإبداع "وما تتعرض له الفكرة الكبيرة من تقزيم متواصل إلى أن تصير فكرة الرواية مجرد " قصة قصيرة جدا " ص5 وهو ما يفتح شهية التساؤل من خلال قراءة معكوسة للنص ، أليست القصة القصيرة جدا هي الجنس الأدبي الأكثر تمنعا وكثافة وعمقا أنها أشبه" بدمى روسية " لكنها تحتاج لقدرات هائلة لإضفاء ملامح الجمال والإمتاع عليها لكي تصير جذابة وهو امر لايتاتى إلا بالبناء المغاير والعصف بأفق انتظار المتلقي مما يدفعه للإستنتاج مادام ترقبه إنقلب راسا على عقب فتتحول الإثارة إلى صدمة والأحداث العادية إلى نازلة تفرض اجتهادات متعددة .

إن القارئ لنص زبون (1) يطوح به العنوان بعيدا وأحداث النص أبعد وقد أغلقت  عليه كما أغلقت الساحرة على عفريت السرد داخل قنينة شفافة سرعان ما تتوق ( القنينة) إلى العودة الى مادة تركيبها الأصلية وتتحول ذرات رمل متناثرة يستحيل القبض عليها..

 إنها نقيض التركيبة المستعملة في بناء هذا النص الذي يأبى إلا أن ينفلت في النهاية مطوحا بتوقعات قارئه.نظرا لبنائه المغاير جدا . وفي نص " مرة غير قابلة للتكرار ص 52 نجد نصا هادرا يهز القارئ من الأعماق كتب ببلاغة واستعمل فيه تصوير منح المشاهد قوة  جعلت من البناء المعتمد  على تركيب الصور المتناسلة بالإحتمالات والإفتراضات مشاهد أخرى تساهم في بناء نص ضمني آخر على نفس المنوال مما جعلهما نصين متوازيين ، لكن ليس لهما نفس الأثر لأن نص النظرة الأولى تمت في لحظة غير قالبة للتكرار وهو امتاع جسد خاتمة لنص آخر مستنتج مع تأكيد مطلق " هذا معناه أني لن أمر من هناك أبدا " ص52 وقد عصف السارد بكل توقعات واحتمالات قارئه السابقة.

في حين ينحو بنا نص  القصة والسمكة المبعثرة ص 68 باتجاه تحديد مفهوم القصة القصيرة جدا ، وما خلفته من مناقشات صاخبة بين الكتاب والنقاد حول مفهومها وبنيتها ومقوماتها ، وأسسها ، ومضامينها ، يتحدث السارد عن نص " السمكة المبعثرة وهي للقاص المغربي حسن برطال * الذي عرف ككاتب متمرس سلك طريقا خاصا في كتابته العميقة والكثيفة والصعبة الإختراق من الوهلة الأولى لكونها تتصف بمواصفات تجعلها لا تتحمل أية إضافات ، ولأن بناءها يشيد بقاييس وأبعاد هندسية تحتل فيها المعادلة الرياضية الحيز الأكبر .  يقول السارد : "لم يبق من نصيبه في (الشبكة) سوى(سمكة) مبعثرة*

 

 وقد اثار النص حفيظة بعض النقاد في البداية لكن بعد تأملهم العميق وإعادة النظر في النص أدركوا حقيقة لامفر منها و" لايتعدر إنكارها وهي أن جملة واحدة يمكن أن تشكل قصة ، تماما مثلما يمكن لقصة أن تحاكي العالم"ص 68

إن نص سمكة بقدر ما يعبر عن صعوبة تفهم النقاد أحيانا لأبعاد نصوص القصة القصيرة ، يبرز من جهة أخرى ردود افعالهم المتسرعة ، ويبرز في الآن نفسه تلك الصعوبة في الإختراق الأولي لمساحات البياض والحدف وتفكيك الكتافة الدالة على مرجعيات القاص المتعددة ، ونظرته إلى الواقع والأشياء.

يشير الدكتور جميل حمداوي ***أن فن القصة القصيرة جدا فن صعب المراس يستوجب الدقة ومهارة الكتابة والتمكن من تقنيات التكثيف والإختزال وتوظيف النزعة القصصية المناسبة بصورها البلاغية والسردية …وتوظيف الإثارة والإدهاش والإغراب …كما على الناقد ألا يتسرع في حكمه وتقويمه ، وأن يرحب بهذا الفن المستحدث تشجيعا وترحيبا ليتبوأ مكانته المناسبة بين الأجناس الأدبية المعروفة.

ولعل استئثار مجموعة الرقص تحت المطر بطرحها لإشكال الكتابة القصصية القصيرة جدا  يبرز ذاك الجدل القائم بحدة حول هذا الجنس الزئبقي ووجهة نظر كتابها ومواقف النقاد منها وبالتالي يبرز من جهة أخرى تعدد زوايا النظر إليها سواء إبداعيا أو نقديا وهي ظاهرة صحية وخطوة رائدة نحو تاصيل هذا الجنس وابعاده من صولات التجريب . ولاغرابة في ذلك فربما نفس المواقف سبق طرحها بانسبة للأجناس الأدبية الأخرى من قبل الرواد الأوائل في أمريكا الاتنية وأوربا مما يعطينا انطباعا صادقا أن القصة القصيرة جدا رغم خروجها من رحم القصة القصيرة  بولادة قيصرية فقد وضعت لها موطئ قدم بالقوة وتفردت بقدرتها على استيعاب مقومات وجماليات تلك الأجناس، فبالرغم من صغر جسدها فصدرها الرحب وشهيتها النهمة لن تتوقف أبدا ..

 

بين الموت الرمزي والموت  الحقيقي شعرة من الحمق والجنون

 

لقد تشكل الموت في نصوص حسن البقالي بشكل ساخر وغريب جدا بحيث نجد ذلك الإنسياق المتداعي كما هو الحال بالنسبة لنص " أنا فريدريش مارو أريد.." ص6 إحالة على مدرسة التنداي ، وكأن الهدف منها توظيف فكرة التجلي والتعدد ، وبالتالي إضفاء واقعية على الحدث وتبرير الوقائع باعتيادية وهو ما جعلنا داخل إطار الحدث العام – الذي قد يستهجنه القارئ- لكن قصدية الكاتب كانت هي الحاسمة يقول " باستثناء ذلك القادم من بعيد الذي رأى فيه واحدا من الثلاثة آلاف تجل للحب" ص7 .

إن الإنسياق نحو الموت بحب يجعل من هذا النص نافذة للإطلالة على عوالم النفسية الإنسانية وغياهب مجاهيلها المعقدة والغريبة على عكس المعتاد .

كما نجد تنبوءا بالموت يصبح فيه المتنبئ هو الضحية و التي لم تكن سوى العرافة التي كشفت عن حجب الرؤيا الغائبة وافشت سر اللعنة الكامن في العروق ..دم السفاح الغائر على الدوام المتعطش للسفك والقتل " اعترى الفتى بعض شحوب ، ذلك أنه أدرك بفضاظة متعالية أن يقين المراة هو يقينه "ص8 ليبادر إلى تنفيد جريمته.

لم تكن المناقب التي عددتها العرافة بكافية عن تنيه،   ففراستها كانت لعنة الحقت بها مآلا دراميا وقد كشف ضمنيا تعلقها به " ستحطم قلب كل امراة أغرمت بك" ص8 ليدرك أن قراءة العرافة لم تضع في حساباتها مآلها المنتظر ولربما كانت قد أحجمت عن الفعل .

لقد كان قدر الموت وهو يطيح بالعديد من الرؤوس والشخوص وفي ظروف أدعى إلى الدهشة والتساؤل وأحيانا إلى الموت ضحكا ، كما هو الحال في نص" الموت من الضحك" ص9 حيث يتحرك الوعي والمخزون النفسي ليفجر المكبوت لحظة  السكر ، فتتحرر الحواس من قيودها وتتناسل الأفكار القابلة للتنفيد دون عقد أو تأنيب ضمير فيبدو العسير هينا والمحظور مباحا وقد اختفى الوازع واندحرت القيم يقول السارد" الحياة متعبة وعلى المرء مجابهتها باقتراف حماقات مضحكة "ص 9 وهي فكرة قلبت واقع البطل رأسا على عقب فالرغبة في اجتراح فعل غير مألوف مع الزوجة التي كان يصفها ب"تلك العبوس الأبدية ينبغي أن اجعلها تضحك لبعض الوقت "ص 8 انتهى به المطاف في النهاية باقتراف جريمة بشعة"  خرج…وباليد ساطور هوى على الزوجة النائمة وهو يموت من الضحك"ص 9 .

 

لقد اتخذ الموت مفهوما حقيقيا ومجازيا في نصوص "الرقص تحت المطر "من بينها نص " سقوط" ص29 حيث يقرن السارد وفاة شاعر مغربي  بلحظة حاسمة لموت بطل رواية وهو ينساق نحو حتفه محاورا القارئ من خلال تشكيل نص موازي شد الأنفاس بوصفه للحظات الحتف الأخيرة وتحول الرصاصة إلى كلمة والمصلوب على سارية الإعدام لوردة مما شكل تماهيا لبطلين وحدثين قاسمهما المشترك الموت ولحظتها الرهيبة التي اسقطت الشاعر المعلن عن وفاته في بداية النص" في ذلك اليوم توفي شاعر مغربي"ص 29 غير أن التوظيف اللغوي في النص ربما طرح بعض اللبس بالنسبة للقارئ حول دواعي الخبر الأول والحدث الثاني لبطل الرواية ( إعدام) لكن ما يشفع له" النص"هو اللغة الشاعرية التي تم توظيفها والبناء الضمني للحدث " الإرتطام" الذي يحيل على موت شاعر معتقل .

لقد شكل نص "سقوط" في أبعاده سقوط الكلمة في مواجهة الإستبداد لحظيا ، ودلالة على موت وسقوط الأستبداد بعديا فالإنتصار كان وسيكون دوما للكلمة رغم موت صاحبها .وكأني إزا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءة في مقطع من رواية الذاكرة الموشومة “للراحل عبد الكبير الخطيبي”

كتبها حميد ركاطة ، في 24 مارس 2009 الساعة: 14:00 م

قراءة في  "مدينتان متوازيتان *" لعبد الكبير الخطيبي

مقطع من رواية الذاكرة الموشومة

"هل مات إله طفولتنا مئات المرات؟ مات ملقى على الصخور"

                                        ركاطة حميد ( خنيفرة) 18 مارس 2009

 

 

 

          لعل الطابع الغالب على هذا النص هو تلك القدرة على الحفر واستخراج ذكريات موغلة في الطفولة ، والتي من خلالها  حاول الأديب المرحوم عبد الكبير الخطيبي رسم صورها من خلال التعرض وبشكل متواز لمدينتين شكلتا بالنسبة إليه مهدا حقيقيا لنموه وترعرعه "الجديدة / الصويرة، وهما مدينتان تجمع بينهما قواسم مشتركة كالتاريخ والبؤس ، والتيه وطابع البداوة ‘بان الفترة الإستعمارية.وقد ظلت الكثير من تلك الصور  حبيسة ولو لم  ليسترجعها من خلال ذاكرة  هذا النص  لكانت قد حرمت من ولوج جنة الأدب الخالدة ،ولإنذثرت كما اندثرث معالم المدينتين التي لم يتبق منهما صامدا سوى القلاع والحصون البرتغالية ،وصخب البحر وهدير أمواجه .فماهي أهم الأفكار التي وشمت ذاكرة أديبنا الراحل ،  من خلال هذا النص ، وكيف أرخها بمداد من الإعجاب والحب ، والحنين الممزوج بالقلق،  ليبقى شاهذا على تاريخ مرحلة من حياته؟

    لقد تم الحديث عن مدينة الجديدة من خلال استرجاع أشد اللحظات الطفولية بالنسبة إليه وهي لحظات  قاسية ظلت منقلتة وقد تحولت فيها المدينة في  بعض الأحايين إلى "حنين أبيض" وهي في بداية تطورها العمراني محتفظة بمعالمها البدوية ، وأعرافها وتقاليدها المتوارثة ، مشيرا إلى أن الأطفال في تلك الفترة "كانوا يحتفظون بخصلة من شعر طويلة ..تشير الى اتجاه الريح"  ص28  كما أن دكاكين الحلاقة كانت منتشرة وما يميز أصحابها هو عشقهم  وشغفهم بتربية الطيور " كانوا يقصون لنا شعرنا على زقزقة الكناري"  28  وهو يصف التحول الخجول  لوسائل النقل الحديثة كالحافلة وسيارة الأجرة التي كانت قد بدأت في التواجد باحتشام جنبا إلى جنب تحاول التعايش مع العربات المجرورة بالخيول، وكانت "تجتمع الأحصنة وسط المدينة وتصرب عن العمل ..متدرعة بصداع رهيب وبالبول الممتد كيلوميترات" ص29 في إشارة إلى دخول وسائل نقل جديدة بدأت تهدد العتيقة بالزوال . في حين وهو يشير إلى نموذج بشري كانت له مكانته ا لإجتماعية المتميزة  داخل الأوساط الشعبية  ، ونقصد بذلك الفقيه الذي كان بمتابة الطبيب النفساني والعالم بأمور الدين والعالم بغياهب الصدور والعارف بآلامها  وخيباتها أحزانها وأفراحها يقول "أعود عند الفقيه الشافي الكاتب(للحروز) على مقربة من شمعة وحيدة …ويقول إنك مسحور فيعطيني حرزا ويبخرني بحركة فاثرة فأوقن إذ ذاك إني في حماية الله ويضمني الشارع"ص 32

أن الهالة التي كانت تحيط الفقيه تجعل منه شخصا متميزا ونافذا في نفس الوقت وهي أمور تم انتقادها بشدة لتشكل فيما بعد مواقف حقيقية من تخلف المجتمع وسعادته بجحيم جهله، في الوقت الذي كان فيه المستعمر "يرسم المدينة خريطة عسكرية "ص33 وهو ما سيدفعه إلى التمرد مبكرا مخاطبا المستعمر قائلا "نحن مسحوقوا الجسد ..’( لم يعد بوسعنا) سوى أن نزيل البكارة عن طبيعتك وأن نقفز مناطقك المحرمة ونقبض على صغار السمك الأحمر المختجل في رحمك"ص 33 و

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأستاذ ركاطة حميد

كتبها حميد ركاطة ، في 5 أبريل 2008 الساعة: 15:36 م

p10100

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مدونة القاص والمسرحي ركاطة حميد(المغرب)

كتبها حميد ركاطة ، في 20 سبتمبر 2006 الساعة: 13:07 م

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

القصة القصيرة جداً بين قتامة الكائن والحلم بالممكن

كتبها حميد ركاطة ، في 18 نوفمبر 2009 الساعة: 20:41 م

القصة القصيرة جداً بين قتامة الكائن والحلم بالممكن

قراءة في  المجموعة القصصية " يموتون وتبقى أصواتهم"لـ عمران عز الدين أحمد

                                                                             

                                                                                         ركاطة حميد

 

ليس من السهل كتابة القصة القصيرة أو القفز على ظهرها  دون أن يكون المبدع متمرساً وعارفاً  ومتقنناً لفن الكتابة في أجناس أخرى ، فالقصر والتكثيف  من عناصر الكتابة القصصية القصيرة جداً  ومن بين مميزاتها المهمة .  وهو أمر تنبه إليه القاص السوري عمران عز الدين أحمد الذي تعرفتُ على قصصه الكثيرة المنشورة في موقع دروب  ومن خلال تعليقاته وإضافاته ووجهات نظره حول كتابة القصة القصيرة جداً مما ساعدني كثيراً على تكوين فكرة عن الكاتب الذي بقدر ما يناضل من أجل إرساء دعائم الـ ( ق ق ج ) يحاول بالإصرار نفسه كتابة نصوص جد متميزة .

في مجموعته القصصية القصيرة جداً " يموتون وتبقى أصواتهم"  نجد ذلك المتح في الذاكرة والتاريخ المحلي بحس انتقادي صرف ساخر ووامض  من خلال توظيف حذر أدخلنا عوالم مجموعته المتنوعة الأنفاس والعاصفة بمحكياتها الأثيرة . وهي محكيات بقدر ما تحيل على وقائع تفرض في الآن نفسه اللجوء إلى فتح أبواب التأويل على مصراعيها مرغمة القارئ على شحذ كل طاقته في مواجهة مساحات البياض والصمت ، كما أن شخوصها بقدر ما تدين المؤامرة تقع في مطياتها مراراً، تتحرق على نار الظلم وجمراته الهادئة مبررة عمق توغل الانهزام في قرارة النفوس .

إنها نصوص لا تحاكي و لا تقلد بل ابتكرت سبلها الخاصة ووضعت نصب عينيها خلق الدهشة في نفسية المتلقي معلنة عن نفسها كصلة وصل بين كاتبها وقارئها من خلال تشكيل جسور للعبور نحو البدايات ، وهو أمر مكن القاص عمران عز الدين احمد من رصد مجموعة من الظواهر التي تم طرحها بشجاعة كالفساد السياسي والأخلاقي واللبس الذي يلف مجموعة من المفاهيم كالحرية والوطن والديمقراطية، والتي طرح بعضها على لسان الحيوانات، كما لفت انتباهي شخصيته المحورية في العديد من النصوص " عبدالستار" الذي كان يتجلى ويختفي بسرعة ليظهر في نصوص أخرى، مما وسم النصوص بسخرية بليغة لم تترك مجالاً إلا وسلطت عليه بؤر أضوائها ، كعلاقة المثقف بالإعلام  والسلطة، وعلاقة البسطاء من الناس بالدولة  وهو ما عرى زيف العلاقات ومنح اغلب شخوص النصوص شعوراً بالدونية والضعف.

         I  البناء الحكائي في قصص يموتون وتبقى أصواتهم:

 

 تجلى اعتماد القالب الحكائي من خلال  الرصد  الدقيق  في مجال الحياة الاجتماعية بإبراز ظاهرة العنوسة والحب من خلال اعتماد  تم داخل مجالات أو فضاءات متعددة كالقرية والمدينة والمكتب والبيت ، وهو ما أبرز هنات وكبوات المجتمع بمختلف مكوناته ، وتنويع أبطال النصوص، ووثيرة السرد حسب طبيعة الحدث  ومزاج الشخص باعتماد الجد في "حدث في زمان ما " و" لماذا يسير النمل بخط مستقيم "  ص18 أو من خلال أنسنة الحيوانات كما هو الأمر في نص " تباً للمتربصين" ص 19 و" حملة شعواء" ص57  و" ثورة" ص 40 أو من خلال الشخصية المهيمنة "عبد الستار"  مما جعل المحكيات تتنوع فيها محيلة وكاشفة بإيماءاتها على قتامة الأوضاع وترديها بشكل مطلق، فالاحتماء بالحكاية والنسج على ساريتها منح النصوص بلاغة متميزة  جعلت مكونات الحدث ضاجة بالكثير من الأحداث المريبة في مساحة صغيرة حد الاختناق،  فالمحكيات تنثر كحبات القمح داخل’ سديم’ البياض منتظرة  كشف أسرارها وتأويلها.

نلحظ هذا الاشتغال في أول نص يواجهنا " حدث في زمان ما" ص 6 من خلال الإشارة إلى مجموعة من الشخوص / الراعي / الفلاح / شجرة الليمون/ الطفلة/ والراوي (الجد) الذي جاءت على أ لسنتهم مجموعة من القصص مع إبراز حالته النفسية  المفعمة بالحزن والنحيب الداخلي  مما يجعل الالتجاء إلى اعتماد الإضمار وسيلة لتمرير واقعية النصوص وأحداثها يقول السارد: " ذلك الراعي الذي سرقت خرافه  ذات نهب تحول إلى ذئب وهو يفترس السارق/ الفلاح الذي اغتصبت أرضه  مات عزيزاً ..شجرة الليمون التي اقتلعوها أوصت جذورها بالتشبث .. / تلك الطفلة عندما  اغتصبها الأوغاد لم تنس أمها ../ والقرية التي وقعت فيها الأحداث .. أزيلت من كتب الجغرافيا وأصبحت خارج التاريخ" .

إن توظيف الحكاية عرى عن واقعية الأحداث بكشفها للمستور وهو أمر نستنتجه في نص آخر " لماذا يسير النمل في خط مستقيم ؟" ص 18  من خلال الدرس الذي تعلمه النمل بعدم حشر أنفه في أمور الآخرين، فلا حجمه و قوته بقادرين على أن يسمحا له حتى بمجرد التفرج ، مما يحيل على ضرورة معرفة كل واحد لقدره ولمكانته. يقول السارد " ونسيت النملة تلك النصيحة الثمينة ، وسارعت كي تتفرج عليهم (الفيلة) فماتت سحقا بين الأقدام "

إن استخلاص العبر من خلال تلك القصة وعبر الحكي يرسخ قيمة العمل بالنصيحة،  وبالتالي استنتاج واقعيتها، فالحكاية المؤلمة في حد ذاتها  هو درس بالغ الأهمية للمتلقي وعزاء للضحية الذي قد يكون أنا أو أنت أو الآخر في يوم من الأيام.

 

II الفضاء  في مجموعة يموتون وتبقى أصواتهم مجال لتمرير المفاهيم:

 

  أ ـ دلالة الأمكنة:

 

إن الملاحظ في قصص المجموعة هو الاشتغال المكثف على الفضاءات التي تنوعت وتعددت تبعاً لتغير الأحداث مع وجود أخرى كانت أثيرة، منها تشكل عالم ضاج بالحياة والموت على السواء، الألم والفرح والحزن، والغبن، فالقرية الصغيرة تتحول إلى فضاء رحب في رحم المحكي وعالم متجدد ومتغير مما جعلنا نقتنع أنه ارتباط  حميم شكّل العمود الفقري لأغلب الأحداث المثيرة  ونقلت ضمنها العديد من الوقائع على ألسنة ساردها: ( كالحارة / المدرسة / الصالة / الغابة / الحي / البلاط / المكتب / البيت / الجامعة / والحانة. ) كما هو الأمر في كل من صباح جديد ص 7 ومخاتير أمام العواصف ص 11 وزيارة تاريخية ص 13 وحدث في زمن ما" ص 6 … فالقرية ارتبط الحديث فيها عن الأرض كتيمة محورية يقول السارد " تناقل أهالي قريتنا صباح هذا اليوم خبرا مفاده أن أرضا كانت تقطنها الحشرات والديدان .. قد اتخذت منها الحيوانات المفترسة وطنا لها .." وفي نص "حدث في زمن ما " يقول السارد " بكى جدي .. وهو يروي لنا تلك القصص ، عن تلك القرية التي أزيلت من كتب الجغرافيا " ص 6 وفي نص مخاتير أمام العواصف " ضجَّ سكان القرية من السرقة المتكررة لمحاصيلهم " وفي نص زيارة تاريخية " أمر المختار مؤذن القرية أن يدعو الأهالي إلى اجتماع عاجل " في حين خصصت الفضاءات الأخرى لرصد حالات الفساد الإداري والسياسي  والأخلاقي والاجتماعي .. ومناقشة مفاهيم ذات أهمية بالغة كالحرية / والوطن / والديمقراطية / والحب / والاغتصاب …

فالمكان بقدر ما احتوى الحدث عرى عن لحمة واقعية  ونفح المسرود بقوة خفية تمثلت في الربط السلس بين الحدث ومكونات الحكاية التي  استوطنت فضاءها ونفحت النص بقوة كبيرة وقدرة على الإقناع . وهو إقناع لم يمر دون تسريب سخرية  بطعم العلقم.

 

ب ـ قنوات تمرير المفاهيم:

 

1 ) مفهوم الحرية:


هل بإمكاننا الإحساس بقيمة الأشياء وبروعة المواقف النبيلة لما نقوم بالتفاتة تجاه الآخر ، ونحن لا ندرك أننا مترصدون من طرف جلاد ؟

هل بإمكاننا الفرح بالحرية وتحرير الآخر مثلنا ونحن في غفلة عن السجن الذي نحن فيه  والمطب الذي وقعنا فيه رغم عدالة قضيتنا ونبلها .؟!

لكل موقف ثمن، لكن الثمن الذي دفعته بطلة نص "حرية " كان مؤلما جداً .

يقول السارد " غردت لها البلابل الموجودة في أقفاصها ، فسارت نحوها ( فتحتها ) لتطير حلقت في سماء الصالة .. غنت  ورقصت مثل فراشة وهي تقول : انظروا إلي .. تحرروا مثلي ، فالحرية أثمن ما في الوجود . فجأة أدار زوجها المفتاح في قفل الباب " ص 8

إن مفهوم الاغتصاب والإكراه يوازي مفهوم الحرية الملغوم في النص، فالإحساس بها  والاندفاع تأثرا بنشوتها لتحرير الآخر ليشاركنا روعة اللحظة المنفلتة من عقال الحبس  تتحول إلى رد فعل عكسي خارجي لقوة عظمى تكره الجميع على الامتثال لقدر غير متوقع  وتأسرهم إبان أوج تلك  اللحظة .     

في حين يرصد مقطع من بداية نص " من وصايا طائر كف عن التغريد " ص 25 موضوع الحرية الفكرية واشتداد الحصار على المثقف بفعل الرقابة ، يقول السارد" إذا كانت فسحة الأمل  تكمن في بصيص هامش حرية تغافل عنها رقيب كئيب ذات نَعس اغتاله مصادفة . فالتعازي تقبل في خيمة العزاء التي تحتضن ما تبقى من الحروف حزنا على الجمل المغتصبة !  "

إن الحرية بقدر ما تقلصت مساحتها داخل المجتمع أبرزت ردود أفعال عكسية وخلقت استبداداً مطلقاً واعتناق لأفكار شاذة فاغتيالها يعني موت الفكر الحر  وهي مواقف نستشفها من خلال النصوص المدرجة تحت العنوان الفرعي " مرايا الانتظار" ص 35 حيث يسوق السارد حوار دار بين صحافي وأديب كبير يعمل مدير تحرير  إحدى الجرائد الرسمية حيث سأله الصحافي ‘ عن سبب غياب الكتابات الإبداعية ، فكان رد المدير بكون" الإبداع  غير مدرج في النهج الجديد ، التي تمشي عليه خطتنا العصرية ، نحن نواكب " شعار الحضارة" .

إن القرائن التي تعلل بها مدير تحرير الجريدة تبطل عليه صفة أديب كبير وبالتالي تلحق به سخرية  كبيرة لمشاركته في الاغتصاب الجماعي للفعل الثقافي  والمساهمة في تكريس سياسة التعتيم ونشر إيديولوجيا الحزب الحاكم ، فالأدب العظيم ما تم صيانته من رطانات الديكة ورياح الأدلجة المؤقتة.

 

2) مفهوم العدالة:

 

إن رصد القصص لمفهوم العدالة جاء انطلاقاً من القيام بمقارنة بين التخمة والشبع ، الغنى والفقر ، من خلال تصوير وضع جارين بشكل كاريكاتوري يقول السارد: " في الوقت الذي تقيأ ما في أحشائه للمرة السابعة في هذا اليوم ، لأنه (دَسم ) سبع مرات، أصيب جاره بتشنج في أمعائه لأنه لم يأكل منذ سبعة أيام." وهو ما أحال على غياب كل تآزر وتكافل اجتماعي ومراعاة لحقوق الجيران، مما أفرز وضعاً شاذاً مشوباً بإعطاب واختلالات في المنظومة الاجتماعية ، وهو ما عرى عن وحشية المجتمع وغياب عدالته بشكل مطلق مبرزاً تفاوتاته الصارخة.

لقد ارتبط مفهوم العدالة بمفهوم الاغتصاب كذلك في نص " من وصايا طائر كف عن التغريد " ص 23 كتعبير عن الظلم الاجتماعي والشطط في استعمال السلطة يقول السارد: " وأنا أمضغ حسراتي ، أمسح برفق دمعة حرى انهمرت من عيني ، انحدرت ببطء لتستقر على خدي الذي ما إن تورد ، حتى اغتصبته صفعات عصر مجنون"  وهو أمر تكرر في كثير من النصوص يقول السارد متوعدا الجناة في نص " ستلعنهم الملائكة" " ما اقترفتموه من جنايات بحق الطيور والأشجار والزرع  والثمار والماء والهواء"

إن غياب العدالة يستمر رصده مقترناً بغياب حرية التعبير ومصادرة  حق المواطنة من خلال تأنيب النفس بالعدول عن المشاركة في احتفالات زائفة يقول السارد: "لماذا لم تشارك في المسيرة ، ولم تهتف بشعارات النصر ، والتنديد بالأعداء ؟

ـ لن أنزل إلى شوارع اغتصبت احتفالا بانتصارات وهمية " ص 26

إن غياب كل عدالة اجتماعية ترجمتها

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الكتابة والهامش قراءة في” رقصات الخلاء”(1) لإسماعيل غزالي

كتبها حميد ركاطة ، في 1 نوفمبر 2009 الساعة: 22:37 م

 

 
 
الكتابة والهامش قراءة في" رقصات الخلاء"(1) لإسماعيل غزالي
 
                      ركاطة حميد
 
يعتبر سؤال الهامش من أكثر الأسئلة إثارة في مجال الكتابة القصصية ، إن لم نقل أنه أضحى سؤالا شائكا على الإطلاق ، فإذا كان كتاب الهامش أغرز كتابة ، فهل يمكن اعتبارهم أكثر إبداعا ؟
إن  الكثير من القصاصين المحسوبين على الهامش  فجروا طاقاتهم وأغنوا الساحة الأدبية بانتاجات أبهرت المتتبعين للشأن الثقافي في المراكز الحضارية الكبرى التي غالبا ما  كانت  تسارع لاستقطابهم ، وهو استقطاب لا يكون على قدم من المساواة  بل مجرد احتواء لضخ مزيد من الحركية في مشهدها الراكد، في حين ظل البعض الآخر  عرضة للحصار والنسيان يصارعون في الظل على واجهات متعددة من أجل أن تنشر قصصهم على إحدى ملحقات الجرائد الوطنية أو المجلات العربية من أجل إثبات وجودهم واستمرارهم ككائنات حية تحمل هما إبداعيا ، وهو أمر لم يكن  متيسرا دوما    ما دامت أعلب ملحقات الجرائد مؤممة في زمن تضاعفت فيه ضغوط خفية  وانفتحت فيه شهية أبناء الحزب و العشيرة بنوع من التعاضد القبلي والمحسوبية العمياء ،وتحول المنبر الإعلامي إلى بوق للدعاية . غير أن هذا لا ينفي وجود منابر أخرى أستطاع أصحابها جعلها حرة ، ومفتوحة في وجه مختلف الكتاب دون استثناء مما جعلها منابر لمن لا منبر له وهو أمر ملفت للانتباه يكرس لتنوع ثقافي ولتلا قح أفكار مختلف الحساسيات والأجيال .فإلى أي حد استطاع كتاب الهامش فك لغز الكم والجودة في آن واحد استجابة لمتطلبات مرحلة حرجة جدا من تاريخ الأدب المغربي ؟ وهل هناك هامش فعلا ومركز أم هو مجرد تقسيم وهمي ليس إلا ؟
 
         Iالهامش مجال للإبداع والصراع لإثبات الذات
 
أ) تعدد الملتقيات الثقافية والمهرجانات الخاصة بالقصة
 
لقد ظل أمل كتاب الهامش معقودا على استمرارية انفتاح المنابر الصحفية والمجلات التي تحض على التطوير والتشجيع وصنع المثقف الهامشي. كما شكلت الملتقيات الثقافية والمهرجانات المنظمة من طرف بعض الجمعيات الرائدة والنشيطة وطنيا في بعض الهوامش الثقافية ك"النجم الأحمر ببلقصيري / والنادي الثقافي الأندلسي بأصيلة /   جمعية تواصل بالفقيه بنصالح / الصالون الأدبي بالدار البيضاء / بيت الأدب المغربي بمكناس / جمعية الشروق المكناسي / ونادي القصة بسطات ، ونادي الهامش بزاكورة مناسبات رغم قلتها ، تشكل مشاتل حقيقية لنماء وتطور الكتابة القصصية بالهوامش فسطعت نجوم  روادها في مجالات إبداعية متعددة ،  اعتمادا على إمكانياتها الذاتية المحدودة في غياب أية مساعدات من الجهات الوصية على القطاع الثقافي . وقد أجاب القاص والناقد محمد اشويكة من خلال سؤال وجه له حول المشهد الثقافي المغربي أن " المؤسسات الثقافية المغربية مؤسسات لا تبحث عن المثقف وتحفزه على الإبداع ، بل تساهم في تشتيته وتفرقته ..فعوض أن تبحث عن تأمين حياة المبدع نجدها تغتني من وراء موته" (2) وهو أمر أدى إلى بروز نوع من التحدي تجلى في تزايد عدد الإصدارات القصصية ، وأفرز ظاهرة جديدة في المشهد الثقافي المغربي " الكاتب الناشر والموزع " وهي ظاهرة رغم ما يلفها من سلبيات إلا أنها في نظرنا ساهمت في فك طوق العزلة على المبدع الهامشي وكسرت نسبيا الحصار الخانق على إبداعاته . وإن كان من سلبيات هذه العملية أن ظل التوزيع محدودا مجاليا وغير عام بالإضافة إلى   نزول إبداعات عديدة إلى الساحة بعضها متواضع في غياب أية مراقبة أو تدقيق إملائي أو مراجعة لغوية للنصوص التي تعتريها بعض الأخطاء ، (التراكيب النحوية والصرفية ). في حين نجد   البعض الآخر    لا يرقى إلى المستوى المطلوب إبداعيا لكن ما يشفع له   على الأقل مساهمته في تحقيق تراكم كمي  مهم من شأنه أن يمكن النقاد من الحكم على القصة المغربية من خلال رصدهم لمسارها وتطورها.
 إن تدفق سيل النشر داخل الهامش شجع كتابه على حفر مكانتهم بل نقشها بمداد من الإعجاب فبرز من بينهم كتاب تميزوا بقوة إبداعاتهم ذات النفحة الهامشية الساخطة والرافضة مما عكس مناخ محيطها بجماليته وتناقضاته وغموضه وهو أمر أفرز نوعا من التحدي ، و عكس في نفس الوقت عمق الانهزام الإنساني أمام إكراهات الواقع ، فجاءت تعبيرا صادقا عن البطالة والعزلة والضغط النفسي عكست وضعا ظل غائبا ومهمشا في إبداعات كتاب المراكز  ، فكان الرصد الدقيق للمجال الطبيعي ولتراث تلك المناطق ، من خلال اعتماد سجلات ثقافية منسية وأخرى بدأ يطولها النسيان بفعل المسخ الذي ألحقته به   الكتابات الاستعمارية ومن سار على نهجها ،سواء في الأدب أو السينما وما ألحقته بالهوية والأصالة من تدمير ، فكانت كتابات وأفلام متحاملة تزور الملامح الأصلية لتلك المناطق ناهيك عن ما ألحقه بها الكتاب اللاحقون من "فكلرة " وتسويق سياحي
هجين ، حول الهامش وتراثه إلى منتوج ثقافي    مفبرك لا يحمل من الثقافة المحلية سوى الاسم ومن معالم جغرافيته  سوى مناظر خارجية لتأثيث فضاءات للدعارة ، والمغامرات الجنسية الفجة والدنجوانية ، الني تكرس دونية وتميزا سافرا .
 
ب) إعادة النظر إلى واقع الهامش من خلال مبدعيه
 
 ولعل الجديد في كتابات مبدعي الهامش الثقافي هو محاولتهم تصحيح تلك النظرة الخاطئة ، باعتماد تقنيات سردية متعددة وباعتماد رمزية في التعبير تحمل أكثر من دلالة  مع السعي نحو توريط القارئ وإقحامه داخل مناخ النص ، ليعيش صخب اللحظة المبهرة ، وهو يتقلى على جمرات نار هادئة جدا وسط فضاءات مختلفة (الصحراء، أو الأحراش ، أو الغابات ، أ والجبال ، أو الدواوير، أ والقرى النائية ، أو داخل مدن الصفيح) بنقل وقائع اليومي والمعاش بأسلوب بسيط لكنه أكثر واقعية ، و أبلغ صدقا في التعبير عن هموم وتطلعات أصحابه الحقيقيين .
إن كتاب الهامش الثقافي تميزوا بقدرتهم على كتابة النص القصصي المغاير قالبا ومنظورا ، لارتكازهم على الرصد الدقيق لمعالم الأمكنة الأكثر إثارة وغموضا والمكتنزة بالوقائع والطرائف والحافلة بالعديد من الظواهر ، فجاءت النصوص حافلة بكثير من التفاصيل أبرزت الوجه الحقيقي والآخر للهامش ، ولمعاناة مبدعيه . يقول الأستاذ محمد نور الدين أفاية أن "كل خطاب عن الهامش لا بد وأن يكون تعبيرا عن احتجاج على سلطة ما أو عملا على نقضها باعتبارها سلطة مسيطرة تتغذى … على حساب قوى أو فئات التجأت إلى الصمت . والكتابة عن الهامش هي إثارة الانتباه إلى القيمة الإستراتيجية التي تمتلكها هذه القوى المهمشة حين يكون الاهتمام مشدودا بكامله إلى النسق المركزي السائد "(3) وهو ما حاولت تكسير وهمه   مبادرة بعض الجمعيات الثقافية الوطنية التي ساهمت بدورها في إعادة الاعتبار للهامش ومبدعيه ـ وإن ظلت محدودةـ لكنها مشجعة ، بتنظيمها لحفلات التوقيع ، ومعارض للكتاب ، وإقامة تكريمات ، وهي تكريمات خصصت للهامش الثقافي وكتابه ، ولكل المنسيين ، دون استثناء . " فالهامش في جوهره الرفض الذي يعبر عن ذاته أمام كل إرادة كليا نية تروم التوحد والهيمنة ، وفكر الهامش الذي يتحرك داخل سياق فكر الاختلاف يمكن أن يعبر عن الرفض ويصوغه ، ويعمل على إعلان الرغبة الجامحة في تفجير كل القوى المكبوتة" (4) مما سيساهم في  تكسير جليد الوهم ، بين المركز والأطراف من ناحية ، وسيضرب سياسة التدمير الثقافي الممنهج ، وسيكسر طوق عزلة المبدعين والمثقفين، وأسباب انحباسهم وامتناعهم عن الكتابة وموتهم غبنا . فإذا ما ألقينا نظرة على الإصدارات القصصية وعددها سنويا سنفاجأ بكون الهامش أضحى يحتل مكانة كبيرة داخل معادلة مهمة ، وهو ما يوحي مستقبلا بهيمنته اعتمادا على مؤشر تزايد عدد الكتاب والمبدعين ، عكس ما نشاهده افتراضيا على صفحات الانترنيت فرغم العدد المهول للكتاب يبقى المجال الافتراضي لا يقدم حقيقة مطلقة وأكثر واقعية عن كتاب الهوامش ، ورغم كوننا لا ننكر الدور الذي لعبه المجال الافتراضي ، و نثمن مبادراته التي ساهمت بدورها في التعريف بأنشطة العديد من الجمعيات المغمورة ويسر الاتصال بين المبدعين ، كما ساهمت المجلات الالكترونية والمواقع الخاصة في بروز العديد من الأسماء التي تألقت وتميزت إبداعيا بالفعل ، بل منهم من نشر أعماله ورقيا وحقق سمعة طيبة داخل المشهد الثقافي المغربي والعربي .
من هنا نتساءل عن ماهية الهامش والمركز فالبعض يعتبر أن" المركز شيء وهمي ومن تم يتعين مساءلة علاقة المركز بالهامش لأن الهامش ليس هو البعيد عن صناعة الحدث أو اتخاذ القرار … وإنما الهامش عنصر لا متحدد كإطار موحد لأنه ينطق بالاختلاف والتعدد "(5)
فالهوامش بقدر ما ضيق عليها الحصار ابتكرت أساليب مقاومتها فمدت جسورا جديدة للتواصل الحقيقي والهادف نظرا لإيمانها بكون الإبداع من أولوية أولوياتها ومسار من شأنه أن يفك عزلتها ويضمن استمرارها بل تميزها أحيانا بدءا من تفجيرها للمكبوتات من خلال طرح أسئلة الهامش الخاصة إبداعيا ، نظرا لما تحمله من عمق ، وما تتميز به مقومات الاختلاف الحقيقي .
 من بين الأسماء التي برزت في الهامش الثقافي للأطلس المتوسط نذكر القاص والروائي إسماعيل غزالي ، الذي بدأ الكتابة مبكرا على صفحات الجرائد والمنابر الإعلامية المختلفة وكذلك من خلال إصداراته الأولى : تمتمة الرداءة ، رواية 2001 ، رقصات الخلاء ،قصص 2005 ، رطانات ديك خلاسي ، كرنفال قصصي ، 2007، وله أعمال أخرى قيد الطبع مثل كتابه القصصي الثالث صائد الغربان البيض  ،.
 فما هي أسس ومرتكزات مجموعة رقصات الخلاء موضوع هذه القراءة ؟، و بأية خلفية إبداعية كتبت ؟ ثم كيف ينظر كتاب الهوامش إلى محيطهم، وكيف يتم رصدها في كتاباتهم ؟
 
II الهامش والعنف والجنس
 
قليلة هي النصوص التي استطاعت نقل وقائع أو مشاهد لها خصوصية معينة اعتمادا على الالتقاط الواقعي مما يجعلها أكثر حميمية بالنسبة للق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التشييد المغاير للغة القصة

كتبها حميد ركاطة ، في 1 نوفمبر 2009 الساعة: 22:30 م

 

التشييد المغاير للغة القصة
قراءة  في" ثقل الفراشة على سطح الجرس" للقاص المغربي أنيس الرافعي
 
                                                                            حميد ركاطة ناقد أدبي من المغرب
 
هل بقدور كاتب القصة القصيرة جدا اليوم أن ينبش في قبح العالم وعنفه دون الرغبة في السفر نحو عوالم أخرى أكثر إمتاعا وقدرة على تحقيق رغباته بالعثور على بقايا عالم حالم وجميل مخالف للمعتاد ؟ هل بقدور كاتب القصة القصيرة أن يطوع القوالب السردية ولغات القص ذاته دون خوض غمار ومغامرة الكتابة بولوج حقول تجريب رهيبة تحرك الآسن من مياه برك السرد لتشييد عوالم تقر بأولوية الكتابة وأهميتها من خلال رفض الكائن والحلم بالممكن داخل زوايا متمنعة تسخر من الكاتب نفسه " مادامت الكتابة كعاهرة أكثر بهجة من كل الإغراءات المزيفة لصورة كاتب" ؟(1)
إن الإحالة في قصص مينمالية كانت منذ البداية محيلة على رفض الكائن تمحوه لتكتب الممكن في عالم صنع أصلا لتكون فيه القصة القصيرة جدا سيدته الأثيرة ، من خلال تحقق كونيتها عبر تفسيرها له بصيغ ما قد تكون خارقة للعادة . فكل منا يحمل قصصا بداخله ، أو في جيوب سترته ، تنام معه فتحلم بدلا عنه لا كما نحلم نحن ، وقد يحدث أن تكتئب وتتعفن أو تطلب خلاصا تدفعها اختياراتها بالجنوح نحو الموت وهي تحاول محاكاة عوالم وجدتها بشعة بداخل صاحبها فترفض أن تسلم روحها قبل مناشدته بتحويلها إلى كتابة مشرقة مغايرة .
من هذا المنطلق تغدو قصص مينمالية محكيات شخوص رافضة حالمة مؤمنة بتغيير الواقع ، لأنها قصص تكمن قوتها في انفلاتها ، وكأنها ترقد بين حنايا مخلوقات أكثر ضعفا في الحياة ، تطير ، تحلم كفراشة المعلم "كوشو الصامت المتأمل على الدوام ، المؤمن بتعاقب الفصول وبقوة مبدأ " ثقل الخفة" العجيب والغريب ، فالقوة تكمن في الضعف وفي السرد الخفيف الذي يحول منتوجا ورقيا وشخوصا متخيلة إلى عالم قزم " مينمالي" يعتبر أن لا مطلق هناك ، ويشك في التوابث ويعصف بضعفه بكل القوى الزائفة لتحلق أسطورة الكتابة الجديدة .
لقد ضمت مجموعة قصص "ثقل الفراشة فوق سطح الجرس " القصص القصيرة والقصيرة جدا ، وهو اختيار له مبرراته ما دمنا مع كاتب تجريبي بامتياز يأبى إلا أن يمسك بخيوط حكيه وتوضيب محتويات مجموعته والتقديم لها بشكل مغاير للمعتاد ، وكذلك من خلال ترتيب النصوص اعتمادا على مقترحين لم يحترما التسلسل المعتاد الرقمي للنصوص بجعلها متوازية مثنى مثنى ، وبحديث بارق عن خيانته للقصة القصيرة ، كما يقترح كيفية قراءتها بمجموعة من الطرق : خطية ، ارتدادية ، عنقودية ، تناظرية . وهي إشارات واضحة وإعلان عن أسلوب كتابة مغاير قد تتضارب حوله الآراء والمواقف كثيرا وتتشابك إلى حد بعيد .
 
I التجريب في القص القصير إعادة بناء وكشف عن أنظمة جديدة 
 
من أوجه التجريب في القصة القصيرة الاختلاف و عدم الخضوع للنموذج الثابت ، وهو اختلاف يؤسس لنظرة جديدة للكون والإنسان من خلال إعادة النظر في الأدوات والمراجع والمقاييس ، فالتجريب ناتج عن تفاعلات تخلق دينامكية وتوتر ، بفتح أبواب المغامرة نحو معرفة جديدة من خلال طرح أسئلتها وأفقها الممكنة نزوحا نحو التطوير يقول د محسن الدموس " درجنا في التداول النقدي والإبداعي على استعمال مصطلح التجريب بوصفه مشروع ورؤية فنية تحث على الاجتهاد والفضول والمغامرة وعدم التسليم والقناعة بما هو جاهز وقبلي ومتحصل من الأشكال والرؤى وأنماط التعبير . لكن قلما انتبهنا إلى الإستشراقات المتنوعة التي يحيل عليها ، وكذلك إلى المصطلح في أحيان كثيرة ، بقرف في لجى الالتباس والتغريب والتمييع" (2). لقد سبق التجريب في الشعر التجريب في المسرح وكذا القصة ، وهو ما شكل أرضية ومرجعية فكرية من خلال نشوء مفاهيم وتيارات ودعوات تهدف إلى تفجير اللغة لجعلها محملة بدلالات جديدة ورموز وعلامات للكشف عن نظام جديد للقصة ذاتها . فالتجريب مغامرة إبداعية ، تهدف إلى التحرر أو إلى امتلاك حرية ما لمد جسور جديدة للتواصل مع الآخر ( المتلقي) وخلق ثورة تنشد البحث عن التناول المغاير بإحداث شبه قطيعة مع السائد والماضي ، إنه إعادة بناء واستجابة لمتطلبات المرحلة ببساطة ." فالتجريب سمة جوهرية تلتصق بالفن العظيم وعلامة فاصلة تحدد البون بين من يستجيب للإنتظارات المكرسة ومن يسعى إلى تعديلها ، إنه بعبارة أخرى برزخ فاصل بين من يبدع من داخل المعيار ومن يشيد عوالمه الممكنة من خارجه ، بين من يجد ذاته في فن الاستعادة والمحاكاة ، وبين من يلفي استهوائه الفني في العدول والتحليق خارج السرب" ( 3) .
فالتجريب ناتج عن قلق وتوثر وأحيانا رفض يذكيه عدم الاطمئنان للسائد ، والنظرة الأحادية ، ليحاول تجسيد منظور جماعي ورؤية مستقبلية تخرق القواعد والأصول لتبحث عن الذات الضائعة وتحريرها من كل القيود ، وهنا يبلغ التجريب بل يرتقي لمرحلة جديدة ليطرح مفهوم الحلم المشروط بالمواجهة والاختراق، لخلق عالم جميل بتركيبه، وقبوله ، وعلامات جديدة . فالتجريب لغة لها بلاغتها ، ونظرتها وأسئلتها ، وأساليبها ، وأدوات اشتغالها المنفتحة على كل المجالات الأخرى تكسر الحدود بين كل الأجناس ، بخلق لغة بصرية منفتحة على عوالم متعددة " واقعية / فنتطاستيكية / سريالية ، عبثية / ليتحول إلى منتوج مشترك بل إلى فكر إنساني يخلق دينامكية جديدة ويبرز تحولا جماليا يشكل إضافة نوعية.يقول الدكتور محسن الدموس " في الرواية اتخذ التجريب مسارات متمايزة وطرق متعددة ، هجست جميعا نحو ترسيخ الاختلاف والانزياح عن التطابق ، انطلقت المغامرة مع زولا وفلوبير ، وبروست ، وتعمقت مع كافكا وكونديرا ، وتشظت مع غربيه وساروت وبتور ، واتسعت ضفافها مع ماركيز وبرخيس ويوصا ، لكنها اشتركت في مبدأ واحد هو " الكشف عن عالم في حاجة دائمة للكشف" (4)
إن انفتاح التجريب على حقول الفكر الإنساني خلق نوعا من التثاقف المتعدد ، سواء في اللغة أو في الصور وهو ما منح الكتابة سلطة رمزية ووجودا ضدا على الاغتراب بنوع من الرفض والضدية ساعدت على إعادة بناء الواقع في سيولة حركية إنسانية مع متلق كوني .، من خلال طرح أسئلته "ضمن هذه الأسئلة يمكن مقاربة التجريب في سياق التثاقف لأن الكل يدخل ضمن البحث عن منظومة فكرية … تعنى بالتغيير بوصفه حركة تقدم إلى الأمام ، حركة يتولد عنها الوعي ألضدي للزمن ، لتصبح المنظومة غير موصولة إلى الماضي المنغلق ـ فقط ـ بل تصير سؤالا حول هذا المنغلق ، وتصير سؤالا ـ أيضاـ حول العلاقة مع الآخر / الغرب . إنه السؤال المتعدد الذي يتكون من فعل متوتر وقلق ومغامر يخترق الاطمئنان إلى النفس ، والاطمئنان إلى الواقع وإلى العالم القائم لتكوين السؤال والرؤية للعالم "( 5)
II بين الثابت والمتحول تكمن وضعية الحلم المركب
 
 ( 1) سفر أول على جناحي فراشة
 
 ـ أ ـ ( الحلم المشترك)

"إن حذف فرضيات العلو والحجم والعمق والجوع" والارتكاز على قاعدة التزامن ألبعدي تجعل الحلم المشترك فضاء جديدا مبتكرا بموجبه تتأسس أبعاد أخرى جديدة ترفض مفهوم القانون وتنفي المنطق وحدود تأويل الافتراض ، ليضحى الحلم بهذا الصدد متمو قعا بين عالمين وحدين يشكل طرفاه الواقع والخيال بحثا عن فنطاستيك بجماليات تأتيت جديدة لنص سريع الحركة بإيقاع خاص يشترك في بناء حدثه  أربعة شخوص كما هو الحال في نص "احتياطات" ص 21 ، "فالأول يسقط من علو شاهق في بركة صغيرة تسبح فيها سمكة قرش جائعة " ولاستمرار زمن الحكي المتوقف لحظة السقوط يلج مضماره رجل آخر تلبية لنداء " الحلم الفرعي في الليلة القادمة ، ليصير بعد تكبده لمشقة التعديل سمكة قرش جائعة في بركة صغيرة " داخل نفس المسافة يقر السارد ببزوغ رجل ثالث ضمن خانة حلم بديل "ليصبح هذه المرة هو تلك البركة الصغيرة " ، في حين يتم الزج برجل رابع " في سياق التزامن في الليلة الرابعة … بإحلال نسخة طبق الأصل من حلم الرجل الأول ، لكن بعد حذف كافة فرضيات العلو والحجم والعمق والجوع" ص 22
إن قوة التجريب تكمن في الابتكار بخروجه عن المألوف وضربه لمنطق الواقع وقوانين العلوم ، وكأننا إزاء بناء اعتمد السقوط مع الرجل الأول / العلو مع الرجل الثاني المتحول إلى سمكة قرش / الحلم مع الرجل الثالث الذي تحول إلى بركة / والعمق مع الرجل الرابع الذي زج بنفسه للمشاركة طوعا في النسخة الأصلية مجسدا عامل الجوع .
إن حذف منطق التقابل في النص يجعل من الحدث ينحو بنا نحو مشهد سريالي رافض ومتمرد يضرب واقعية الحدث ويحولها إلى نوع من العبث لندرك أننا إزاء مغامرة وتجربة كتابة حذرة تمزج بين الأشكال وتكسر حدود الأبعاد لتشيد على أنقاضها عالما افتراضيا متحولا على الدوام . يقول الناقد محمد رمصيص أن " وضعية الحلم المركب هو ما جعله مفارقا ومدهشا في ذات الآن حيث يتداخل فيه الوعي واللاوعي ويجمع بين ذوات مختلفة ولذلك فهو يخرق قانون الأشياء وطبيعتها المعتادة ، فضلا عن كون وقائعه مستحيلة الوقوع في الواقع ، فلا يعقل أن نجد سمكة قرش في بركة متناهية الصغر ، فضلا عن تحول حالم من كائن آدمي إلى سمكة قرش ؟ وقائع يستحيل معاينتها بالعين المجردة … إننا نطرح السؤال رغم معرفتنا المسبقة أن تحولا مثل هذا لا معنى له ذلك " أن اللغة الأدبية لغة اتفاقية واصطلاحية يستحيل فيها اختيار الحقيقة والحقيقة هي علاقة بين الكلمات والأشياء التي تدل عليها بينما لا وجود في الأدب لهذه الأشياء " ( 6)
 
 ـ ب ـ (الخلاص)
 
إن الحلم بقدر ما هو تعبير عن اللاشعور والمخزون الواعي الذي نغيبه بالقوة بقدر ما هو عتبة عالم متحول لا يقر بالفرضيات وقوانين المنطق بقدر ما هو تشيد ونزوح نحو عالم منشود ومرغوب بإلحاح .وهو أمر متكرر في نصوص أنيس الرافعي في نص " عوليس " مثلا يتم تشييد عوالم افتراضية انطلاقا من حادث واقعي يبرز خصوصية المكان وطبيعة الشخص ، ولعل منطق الغرابة الذي يواجه القارئ مبعثه نزوع بطل النص لتحقيق متعة ذاتية وتلبية رغبة دفينة مكبوتة بالقوة ليفجر سيلها لحظة السكر برفضه لخصوصية المكان وضوضائه غير الممنهج داخل ملهى ، وهو ما أحدث انقلابا سواء على مستوى السارد للحدث أو امتثال البطل لخصوصية المكان وقيوده بنزوعه نحو خلق جنته يقول السارد" إن ما يبصره أما ناظريه هو عالم بأكمله في طور التحول إلى جغرافيا  شائهة ليابسة وهمية يسبح على أطرافها الغمر " ص 24 ولم يقتنع البطل بالنتيجة المحصل عليها والعالم الوهمي الذي تجسد أمامه على الكونطوار ، بل سارع إلى إضافة لمساته الخاصة عليه بخلق جزر اعتمد في ربطها على جسور مما أدى إلى انفلات مطلق محمل بدمار محقق " الجداول انفصلت تدريجيا عن بعضها لتنتشر صوب البحيرات والبحيرات فاضت بحيرة في كل حدب وصوب بحيرة أخرى و أخرى وأخرى ..فتشكل بحر " ص 24
إن البحر المتشكل ، شكل امتدادا فسيحا وفضاء منحه حرية التنقل " يبحر وحيدا وبلا توقف مع الصدى الخافت والظلال المنصرمة لجزره وأنهاره وجداوله ، وبحيراته التي يمكن أن تصير في كل مرة بحرا " 24 فنزوع البطل نحو الهروب من واقع الضوضاء نحو الهدوء المطلق برفض عوالم الآخرين وخلق عالمه الخاص هو تعبير عن رفض النص نفسه لقواعد البناء بهدمه لمقوماتها والبحث عن بديل آخر انطلاقا من نزوع نحو التدمير الداخلي ضدا على فوضى الخارج بتحقيق انتصاره واستمرار زحفه داخل نفس الفضاء المغلق والهادر بخلق العالم الجميل .
وداخل نفس الفضاء المغلق تدور أحداث نص " جيشا" ص 60 بموازاة مع فضاء آخر غير مرئي ، نفسي مما يعكس ثنائية السكر والغيبوبة ، من خلال حوارين الأول خارجي والثاني داخلي ، انعكس من خلال الملاحظة العينية والتمثل الداخلي ، وإن كانت بداية النص تشكل تمهيدا ووصفا للمكان وتصرفات الشخص فإن السارد سرعان ما سارع إلى الزج ببطله نحو عوالمه الداخلية بنوع من الارتدادية يقول السارد " هو نفسه من أصبح كل مساء ، وبمجرد حطه لرحال الصحو داخل حانته المألوفة يلوذ رفقة أسرع قنينة وقعت في أسره إلى أقصى الركن الأيمن للكونطوار .. كي ينشب مخالب عينيه وعتاد حواسه … في النقطة الحمراء الصغيرة التي تفند السواد المهيمن للحبر الصيني وتعلو بياض عري وابتسامة تلك " الجيشا " التي أصابته من داخل اللوحة الجدارية بغمرة واحدة في القلب " ص 60
إن الانتقال البصري من المرئي نحو المتخيل أو المحسوس كانت له تبعاته وآثاره من خلال تشييد عالم داخلي عبر نشج حبكة النص وأحداث القصة يقول السارد " النقطة الحمراء التي كا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

القصة القصيرة جدا بين تنويع الخطاب واللعب على التضاد

كتبها حميد ركاطة ، في 1 نوفمبر 2009 الساعة: 22:28 م

 

القصة القصيرة جدا بين تنويع الخطاب واللعب على التضاد
 
قراءة في مجموعة" وقع امتداده ورحل" للقاصة المغربية السعدية باحدة
ركاطة حميد
 
إن خوض غمار تجربة الكتابة القصصية القصيرة جدا من طرف القاصات المغربيات يعتبر إضافة نوعية للمشهد الثقافي المغربي والعربي على السواء ، فهذا الجنس الزئبقي بقدر ما تضاربت حوله الآراء وتعددت لا يزال  يستقطب العديد من الأسماء الجديدة كل يوم ليحقق انتشاره ويعزز حظوته ومكانته في المشهد الثقافي بصفة عامة .
من الأسماء التي كرست جهودها للقصة القصيرة جدا في المغرب برز إسم القاصة السعدية باحدة من خلال مشاركاتها الكثيفة في المهرجانات الثقافية سيما وهي عضو مكتب جمعية الصالون الأدبي بالدار البيضاء  وهي جمعية  كرست اهتمامها للعمل الثقافي وللقصة على وجه الخصوص ، وقد برز اسم السعدية باحدة كقاصة متميزة بإبداعاتها ذات الطابع الخاص لتتوج مسارها بإصدار باكورتها الأولى "وقع امتداده ورحل "(1)  وهو ما يشكل إضافة نوعية لرصيد القصة القصيرة جدا بالمغرب .
قبل الشروع في تحليل نصوص هذه  المجموعة لابد من الإشارة في عجالة إلى الكتابة بصيغة المؤنث في مجال القصة القصيرة جدا ، مع الحديث عن جديديها سواء من حيث التوظيف الجمالي ،أو على مستوى التناول المغاير سيما وأننا إزاء  "جنس أدبي " يعتبر من أكثر الأجناس   صعوبة على مستوى الكتابة وتضاربا للآراء حول ماهيته ، وكذلك تسميته  مما يجعلنا منذ البداية نؤشر على دخول مغامرة القصة نفسها وكيف أرست دعائمها بالقوة منتزعة اعترافها بل ممارسة جاذبيتها الكبيرة وسحرها العارم على الجميع .
 
        I القصة القصيرة جدا  بصيغة المؤنث إضافة نوعية للمشهد الثقافي المغربي والعربي
 
لقد استحوذ على كتابة القصة القصيرة جدا داخل المشهد الثقافي المغربي والعربي من طرف  كتاب ذكور منهم الرواد طبعا ، كما أن المغامرة بالكتابة في هذا الجنس الذي لا يزال  بالنسبة للكثيرين غير واضح المعالم لم يلق إقبالا واسعا في بداية ظهوره كعادة كل جنس جديد نظرا لهالة الحيطة والحذر التي شكلت حاجزا لديهم مع الخوف من ولوج مغامرة غير محمودة العواقب ، وهو أمر في نظرنا أثار العديد من المواقف والانتقادات التي وجهت للكتاب وإبداعاتهم ، ونعتهم بالردة بل منهم من أمر وبنوع من السخرية غير المقبولة إبداعيا "بقتل" كل كتاب القصة القصيرة جدا ، بعدما خولوا لأنفسهم حقوقا في التعبير حرموا منها آخرين ، وهو ما شكل نوعا من الأعطاب على مستوى التصور والمنظور للإبداع نفسه وللقصة القصيرة جدا التي اعتبر خوض غمار كتابتها خيانة من طرف البعض الآخر. فالكتابة " اشتغال يقظ للذاكرة ، ترتيب عقلاني حذر للأفكار ، تجديد فعال ، قتل ، وردم ،وتجاوز من أجل خلق حياة جديدة ، إن العمق الفكري للقصة القصيرة (جدا)ينبني على التجديد …(ف)القاص امتداد لتاريخ الذاكرة الجماعية التي يحيا وسطها" (2)
لقد سلكت القصة القصيرة جدا مساراتها  المتعددة ، وولوج المرأة  غمار تجربتها ساهم في إتحافها ببعض الخصوصيات الجديدة  " فالمرأة تكتب بجسدها ما لا يستطيع النظام الرمزي الذكوري تفكيكه أو فهمه " (3)  مما كسر هيمنة الكتاب الذكور واستفرادهم بكتابتها وهو أمر استقبل بتشجيع كبير من طرف العديد من المتتبعين و من جمعيات ثقافية مهتمة بالقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا ، التي لم تكتف بتنظيم المهرجانات الخاصة بهذا للجنس بل خصصت  جوائز  قيمة تشجيعا للكتاب الشباب على الكتابة في هذا الجنس ، ناهيك عن النشر الإليكتروني الذي عرف دخول مضماره لكاتبات متميزات جدا منهن من نشر ورقيا  أكثر من مجموعة ، وقد صاحب كتابة القصة القصيرة جدا ظهور مواكبات  نقدية خاصة بهذا الجنس من طرف ناقدات متميزات ك : الناقدة  سعاد مسكين ،وسلمى براهمة ….. وغيرهن من الأسماء التي كرست اهتماما خاصا لمجال القصة القصيرة جدا كما تجسد كذلك بحضورهن المتميز في كل الملتقيات ، وهو ما  ساهم في التكسير النسبي للهيمنة المطلقة للنقاد الذكور كذلك ، وإن كنا نجزم أنه في مجال الإبداع يجب أن تنتفي الحدود بين الأجناس الأدبية وكذلك حتى  بين اعتبار القصة المكتوبة بصيغة المذكر أو المؤنث ، لأن الإبداع لا وطن له والكتابة مجال رحب لا حدود لها ، بقدر ما هي مجال تنافس شريف تكون فيه الغلبة للأفضل وللآداب وللقص الأنيق  في النهاية  بغض النظر عن الجنس والهوية .
فدخول المرأة حقل الكتابة القصصية القصيرة جدا أبرز التناول المغاير والنظرة الأخرى إلى عوالم المرأة نفسها في علاقتها بالرجل والمحيط ونظرتها العميقة للأشياء من خلال كتابة ارتدادية نحو الداخل ، أو خارجية تقارب الجسد المماثل بتوغلها عميقا عبر مسارات ، أبرزت نفسية النساء وعالمهن السحري والغامض في نفس الوقت ، " فالكتابة ترجمة للجسد واللاوعي والرغبة …تعبر عن ذاتها كتحويل وتحوير لما لا يمكن توصيله إلى ما يمكن توصيله لأن اللغة ليست وحدة أو نسقا نسيطر عليه كلية بل إنها تتضمن لغات مختلفة توجد داخل اللغة" (4)فالكتابة النسائية أبانت  عن معانات المرأة  الحقيقية من خلال إماطة اللثام عن جانب من حياتها السرية التي لم تكن الكتابة الذكورية  متوفقة في رصدها بدقة وقوة إحساس مما جعلها كتابات سطحية وغير مقنعة في الوقت الذي استطاعت فيه قاصات رصد معاناة الذكور إلى درجة انتابنا معها إحساس أن كتاب تلك النصوص ذكور  يسردون سيرهم الذاتية ، غير أن أغلب هذه الكتابات ظلت تحوم حول مفهوم اللذة والجنس ارتبطت بالإثارة على حساب  المعاناة النفسية والجانب الجمالي الروحي ومفهوم الحب ، والقيم،  وهو ما جعلنا من خلال الاطلاع على مجموعة من المجاميع القصصية نجزم بكون الكتابة بصيغة المؤنث أتحفت القصة القصيرة جدا بمواضيع جد خاصة وحساسة في نفس الوقت ، كما أن النظرة إلى الرجل أو الذكر بقدر ما حملت نوعا من الغبن والحزن وفقدان الثقة فتحت المجال في نفس الوقت للاطلاع على عوالم شهرزاد وحياتها الخاصة ، وأحلامها تطلعاتها ، آمالها نظرتها إلى الواقع والحياة والآخر وإبداء الرأي حول ( الآخر) الذي ظل مهيمنا وفارضا صورته النمطية القوية دوما وسلطته المطلقة التي اعتقد أن تمثالها سيظل منتصبا إلى الأبد ، فبدأت تتغير تلك النظرة ببطء من خلال العديد من المواقف الذكورية التي كسرت تلك  الصورة الكاريزمية للفحولة وحتى الذكورة فليس كل رجل فحل وليس كل الذكور رجال بالمعنى الحقيقي للكلمة مما خلق نظرة جديدة تجلت في التطرق لعيوب الرجل الذي بدا في عالمه أكثر ضعفا وانهزاما وخيبة وأكثر خيانة بسبب ترسباته النفسية وخدوشه العاطفية العميقة والمليئة بالعقد  والفشل والخيبات المتكررة.
 
II البحث عن القصة المتجددة هاجس كاتب للقصة القصيرة جدا
 
 . إن القاسم المشترك في الكتابات القصصية القصيرة جدا هو رغبتها في البوح ، والإفصاح وتكسير  قيود اللغة و التمرد على الأعراف والتقاليد البالية  ،بحثا عن أخرى مسايرة ومناسبة للوضع المعاش ، ناهيك عن انتهاك الحدود بين الأجناس والجنوح في نحو خلق عوالم متخيلة يستحيل تحقق وقائعها ، فالحلم بقدر ما منح القاص قدرة رهيبة للتعبير عن كل ما يخالجه من أحاسيس جوانية من خلال الهروب بتشييده عوالم أخرى غير مرئية منحت القصة نفسها  تجددا وشرعية ولكاتبها رغبة ولقارئها إمكانية تحقق الحلم الذي ظل حلما مشتركا للممكن ضدا على المستحيل وللخير ضدا على الشر .  فإن القصة القصيرة جدا ظلت من أصعب الأجناس كتابة ، لأنها إنتهكت حدود أجناس متعددة و اقتحمت مجالات مختلفة ( العجائبي الغرائبي السحري السريالي الواقعي الفنتازي تحولت فيها بعض النصوص إلى نوع من الخوارق عوالم الموتى والشياطين والجن وصارت القصص أكثر عنفا ونزوحا نحو العوالم الغيبية فالقصص تسرد واقعا وساردها لديه معرفة بكل الأحداث ينتزع القارئ من الفته وارتباطه باليومي ليصلبه على نسيج السرد الخارق مما يخلق قلقا واضطرابا وبالتالي يمنح متعة خفية   فالقصص تحاكي واقعه لكنه في الحقيقة ليست نسخا له  تقول روز ماري جاكسون " أن الأدب الخيالي هو شكل أو طراز يفترض وجود أشكال نوعية مختلفة متولدة منه والخيالي كما ظهر خلال القرن التاسع عشر " هو احد الأشكال التي تنتمي إلى هذا المجال وهو قد أصبح نوعا متميزا لأنه ينتمي إلى مجال الرواية وهو ذو علاقة وثيقة بها " (5)فأغلب المجاميع القصصية الصادرة لحد الآن  تضمنت على الأقل  نصوصا يستحيل محاكاتها ،وبها   العديد من التقنيات والجماليات الجديدة بل من  المبدعين من اقتحم مجالات تجريب ظلت بعيدة المنال إلى وقت قريب ، فصارت القصة القصيرة جدا بدخولها هذا المضمار أقرب من حبل الوريد إلى القراء نظرا لارتباطها بهمومهم التي صارت تطرح بسخرية أحيانا وعجائبية أحيانا أخرى دون أن ننسى التوظيف الجريء للعديد من القوالب : المسرحية ، العبثية ، الفنطاستيكية ، السريالية ، وهو ما جعل القصة القصيرة ترقى بل تفرض إلى جانب سخريتها قارئا خاصا كذلك يستطيع مواجهة مساحات بياضاتها ونقط حذفها فأصبح القارئ يكتب قصته الخاصة به وبمحيطه بل بلحظته ، " فالبنيات النصية التي تتفاعل معها القراءة لا تنفصل بدورها عن سياق الإنتاج فمن المستحيل تفسيرها دون الأخذ بعين الاعتبار الوضعية السوسيولوجية التي ولدت فيها " (6)  وهو ما سيفتح النقاش العميق حول حدود وإمكانيات التوظيف والتأويل في القصة  ، بل من النقاد من اقترح كيفية كتابة القصة القصيرة جدا ، واضعا مقاييس وشروط محددة  ، مثيرا بذلك  حفيظة الكثير من النقاد والمبدعين ،  فالنقد ليست له وصاية أو سلطة بالمعنى الحقيقي للكلمة  بقدر ما  يتحدد عمله أحيانا ـــوليس دائماـــ في القيام  بتشريح النصوص واستخراج كنوزها "واستئصال أورامها" وترميم أعطابها ،  فيجب ألا يتحول  النقد  إلى سيف يسلط على رقاب المبدعين يصنفهم ،  ويحدد خاصيات كتاباتهم انطلاقا من باكورة أعمالهم ، وفي اعتقادي لا يمكن الحكم على المبدع من خلال  عمل واحد أو حتى عملين  ، كما لا يمكن تصنيفه هو،  بل الحكم على أعماله وانتقادها .فالنقد هو إعادة إنتاج وبالتالي سيرورة " تناصية باعتباره إعادة قراءة يؤثر باستمرار في تكوين الموضوع الجمالي أي التلقي " (7)
ولعل ما يميز الإصدارات الأخيرة هو نزوعها نحو الإقرار بتعريفها وتجنيسها علنا دون إدراجها ضمن التجنيس العام للنوع " قصص" بصيغة الجمع ، بل قصص قصيرة جدا وهو الأمر الذي خلق تميزها وخصوصيتها وشكل جرأة كبيرة في نفس الوقت وساهم في  تجدرها علنا وبقوة . فبالإضافة إلى المجالات المذكورة سلفا اعتمدت القصة القصيرة جدا في بنائها على الارتكاز على  النص الموازي ، وعلى دلالة المصطلح واشتقاقاته ، وتعدد معانية ، أو بالاعتماد على البناء  المغاير انطلاقا من تحديد مفهوم جديد للتراث مما جعل القاعدة مرتكزة بشكل مطلق على الخلفية التاريخية ، ناهيك عن القصة الومضة ، والمينيمالية ، والشذرة ، والأقصوصة ، والقصيصة …….،لكنها تبقى مسميات متعددة لمفهوم واحد هو القصر ، فاقترنت أغلب الإصدارات بعنونة موحدة "قصص قصيرة جدا" . رغم اقتراح بعض النقاد وتفضليهم لمصطلح "القصة الومضة" , غير أن الإجماع على المصطلح لم يتم لحد الآن وان اتجه أغلب القصاصين بعنونة نصوصهم ، ومجموعاتهم  بقصص" قصيرة جدا ". فإنه في اعتقادي أمر مرحلي لأن  المجال لا يزال  مفتوحا  للبحث عن تسمية دقيقة جدا تحضى بإجماع الكل نقادا ومبدعين ، تنصف هذا الجنس كي لا تنسفه لجاجة الاختلافات الهامشية ، كما أن المرحلة تتطلب التركيز على تحديد أركانه وأذرعه ، وإظهار كل ملامحه وأوجهه المتعددة .
لقد استطاعت القصة القصيرة جدا في المغرب أن تطرح أسئلتها وتراهن على المستقبل ، فنجحت  مرحليا إلى حد كبير في غواية الشعراء والمسرحيين وكتاب القصة والرواية ، الذين  بادلوها العشق بالعشق ، والشغف بالشغف ، فأقبلوا على النهل من معينها ، وتوظيف كل إمكانياتها ، بل تفننوا في نقل أحاسيسهم بكل أريحية وبدون تكلف وإبداء العديد من المواقف من خلال نصوص لفتت انتباه المتتبعين , فالقصة القصيرة جدا صارت "الطفلة المدللة" لدى البعض الأخر من المبدعين ، بقدرتها على التشكل،  و مرونة التوظيف ، وبقابليتها احتواء جماليات كانت إلى وقت قريب مستعصية وغير ممكنة على الإطلاق .
كما أن توالي الإصدارات القصصية القصيرة جدا ، وظهور أسماء جديدة يؤكد بقوة حضورها    ، واستمرار هيمنتها ، وبالتالي تجدرها في المشهد الثقافي المغربي والعربي على السواء ، من هنا نتساءل عن  جديد مجموعة "وقع امتداده ورحل "للقاصة  السعدية باحدة ؟ ، وما هي أهم المواضيع ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

القصة القصيرة جدا انتصار للكتابة وللإنسان

كتبها حميد ركاطة ، في 1 نوفمبر 2009 الساعة: 22:21 م

 

 
القصة القصيرة جدا انتصار للكتابة وللإنسان
قراءة في مظلة في قبر* وتسونامي** للقاص المغربي مصطفى لغتيري
ركاطة حميد ناقد أدبي من المغرب
 
تعتبر القصة القصيرة جدا مدخلا لفهم العالم المتسارع والمعقد ، ووسيلة لاستقراء هموم الإنسان وابرازها طازجة من خلال قدرتها الرهيبة على تعرية ما يلف إحساسه من قهر ونبذ وما يخالجه من تطلعات وأماني كذلك ، ولعل انتشارها السريع يؤكد لامحالة نزوع القارئ المعاصر نحو تلبية رغباته استجابة لنداء داخلي جامح، خصوصا بعد غزو الصورة من خلال الإعلام المرئي الجارف والمسبب للاستلاب وإفراغ إنسانية الإنسان من روحها وقيمها ، وبالتالي كل قدراته على التركيز والفهم والاستيعاب والصبرلمدد طويلة لقراءة رواية أو قصة أو مسرحية ، بالقدر الذي يقضيه أمام شاشة التلفاز لمشاهدة فلم معين ، وبالتالي فإن عامل الملل يبقى حاضرا وموازيا لفعل القراءة تحدوه رغبة كبيرة لتحقيق أكبر متعة في أقل زمن ممكن ـ
من هنا يمكن اعتبار  حضور القصة قصيرة جدا ضرورة ملحة فرضتها متغيرات المرحلة، التي اتسمت بالقلق و السرعة في كل شيء ، و يشير القاص والناقد محمد اشويكة -في هذا الصدد- أن القصة القصيرة جدا " إنصات متأن لسرعة العالم وتبطيء للسريع و المتسارع من أجل القبض عنه أو محاولة فهمه بعمق (و) سقف القصة القصيرة جدا بكل ما تمتلكه من جاذبية إبداعية في فهم العالم بطريقة متشظية : القاص يضغط العالم الشاسع ويحيله إلى الصغر "(1)
إن القص القصير ليس وليد اليوم ،لكن ما استجد فيه هو تقنياته ، وكثافته وغرابته وومضه السريع ، فالنصوص التراثية بقدر ما نزحت نحو القصر اعتمدت في كتابتها على لغة ممشوقة وأفكار موازية لبناء النص الأصلي، والذي غالبا ما كانت كتابته بهدف خلق نوع من الأثر أو العبرة كما هو الحال في كليلة ودمنة ، وألف ليلة وليلة ، ونزوح الكتاب القدامى نحو تزويق النص بالعبر ، والمجاز والسجع والطباق والجناس ، فجاء خطابهم متشبعا بالدعوة إلى العودة إلى القيم الفاضلة ، والإصلاح من خلال تمرير نقد لادع إما على لسان الحيوانات بأنسنتها أو على لسان سارد ساذج كجحا أو كاريزمي وداهية كشهرزاد ، تحكم في مجريات السرد وأحداثه وشخوصه فلو قمنا بضغط قصص كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة لحصلنا على قصص رائعة جاء في مقدمة الناشر الخاصة بمؤلف كليلة ودمنة ما يلي : " إنها (قصص) متشابكة تدعو إلى التمسك بالفضيلة والحلم والبعد عن الهوى ، والصدق في القول والعمل ، تجري وقائعه على ألسنة الحيوانات بأسلوب طريف جذاب من الفكاهة والمتعة ، والذوق ، واللقطات الفلسفية والمعاني الإنسانية ، والمثل الأخلاقية ، والفضائل العالية ما يجعل من الأثار الخالدة "(2)
فالقصة القصيرة جدا هي الأخرى لاتخرج عن باب الدعوة إلى إعادة بناء ما تلاشى من قيم            اجتماعية لكنها في نفس الوقت طورت تقنياتها مع استيعاب تقنيات العديد من الأجناس الأدبية الشفهية والمكتوبة ، والمرئية ، طوعتها وأعادت تشكيلها وفق خصوصية المرحلة للتحول إلى ظاهرة نصية " وثقافية جديدة بدأت تتخلل المشهد القصصي المغربي (والعربي) ًَـ ـ ولعل أهم ما يطبع هذا الجنس الأدبي هو التكثيف إذ تتحول القصة الى ومضة - تتوسل بما يكفي تسميته بمبدأ الحدف الحكائي ـ بحكم أنها قصة تدعو قارئها إلى المساهمة في إعادة تشكيل النص وملء الفراغات الحكائية التي يتركها الراوي في القصة " (3) فالقصة القصيرة جدا بهذا المفهوم أصبحت أكثر ارتباطا بذات الإنسان المبدع والقارئ والناقد على السواء من خلال رسائلها التي تدعو إلى المساهمة في القراءة وتحدي ثقوبها العديدة وبيضاتها المتمنعة ونقط حدفها   الرهيبة من خلال خلق تفاعل إيجابي وتأمل عميق للمضامين لتحقيق نوع من التكامل " (ف) لكل قارئ طريقته في تحقيق هذا الفعل ، وله همومه وانشغالاته وبالموازاة مع ذلك كانت للنص عوالمه التي يختزلها ورسالة تسعى إلى إبلاغها عبر انفتاحية دلالية كبرى ، وهنا على المتلقي أن يفجر هذه الدلالات ويبحث عنها ويكيفها مع همومه حتى يتمكن من تحقيق الفهم ،مادام النص الأدبي يقوم على التوتر القائم بين التجلي والخفاء والوجود والعدم ، وبالتالي فإن الحقيقة التي يتضمنها العمل الفني ، حقيقة ليست تابثة " (4) فتمنع القصة وعصيانها وانفلاتها وانتقالها من المستوى الكمي إلى النوعي اعتمادا على تقنيات وآليات التشييد الجديدة فرضت متلقيا خاصا مقارنة مع الأجناس الأدبية الأخرى يقول الناقد د ـ حسن  المودن "يرى البعض أن القصة القصيرة جدا كثيرا ما تشبه الحلم في أشياء كثيرة من أهمها رمزية وشعرية ، فهي تستخدم آليات التكثيف والتحويل والترميز والصوغ الدرامي السريع ، وتقول الذاتي والغريب واللامرئي ، واللاواقع ، و تنتهك الحدود بين الواقع والمتخيل "(5) وهذا ما أضفى على القص القصير جدا هالة خاصة بل ومنحه باستحقاق وسام الكونية كجنس أدبي في ظل التحولات الكبرى التي شهدها العالم ، وكأنها جاءت استجابة وتلبية لمطلب أساسي ، للتعبير عن خصوصيات مرحلة حرجة جدا "(ف)القصة القصيرة جدا تعبير عن كونية جنس أدبي جاء ليعبر عن مرحلة دقيقة في تاريخ الإنسانية ، مرحلة تمثلت في سقوط الأيديولوجيات التوليتارية الكبرى التي كنست إنسانية الإنسان وكرامته من سجلها التاريخي وسقوط الإيديولوجيات الكبرى " (6)
من هذا المنطلق نتساءل عن عوالم كل من "مظلة في قبر "و"تسونامي " للقاص المغربي مصطفى لغتيري ، وبالتالي عن أهم الأفكار التي طرحتها ، وكيف تمحورت حول نقد شمولي لظواهر تعتبر شاذة وغير طبيعية ؟
 
I   القصة القصيرة جدا مدخل لنبذ العنف المادي والرمزي
إن انفتاح القاص مصطفى لغتيري على عوالم القص القصير جدا مكنه من تقديم فصوص مركزة ، ونصوص استلهمت مواضيعها من اليومي والمعاش ، ومن أحداث التاريخ الإنساني والفكري بشكل عام من خلال توظيف سلس اعتمد في فيه على بناء الحكاية المحبوكة الوازنة ، التي تفرض على قارئها اللجوء إلى ملء فراغات البياض بتأويلات وافتراضات متعددة ، فمواضيعه تطرق أبواب المقدس والمدنس والعجيب ، والمحظور، اعتمادا على تنويع قوالب السرد وتقنيات البناء وطرقها ، وتعدد ضمائر السراد وشخصوص القصص ، وأزمنة الحكي وأمكنته ، مما سمح بتشكيل فضاءات متباينة ، وهو ما أحال على مقدرة كبيرة في تطويع اللغة والقالب على الدوام ، فمعمار النصوص المتباين أحال على تشكيل وهندسة خاصة ، فرضت أحيانا تناولا خارج الحقل الأدبي كتقنية الالتقاط السينمائي ، وتسريع وثيرة السرد المتوازية مع الحدث اعتمادا على رصد يتم من الأعلى إلى الأسفل ، أو التصوير العميق لتأثيث مشهد ما مما يضفي على الحدث العام هالة كبرى لإظهار قوة أو إنسحاق شخوص محكياته ، وهو ما جعلها كتابة ارتدادية نحو الداخل، أبرزت قلقا وجوديا كبيرا وحسرة شخوص ينتهي بهم المطاف نحو الحتف أو الجنون مع اقتناع وإيمان مطلق بالفشل في مواجهة مشاكلهم أو نتيجة لعدم تحقق مرادهم ،إنها كتابة مستفزة تحتاج إلى أداة فرز دقيقة وقارئ لبيب يستنطق اللحظات البغيضة في حياة شخوص تنتهك حريتهم ، وتموت أحلامهم ، وتغتصب خصوصيتهم ، وحقوقهم البسيطة ،وأوطانهم ، من خلال ممارسة عنف  مادي أو رمزي عليهم ـ يشير الكاتب سليم دولة " أن استعمال العنف المادي الجسدي والعنف الرمزي ـ ـ إنما هو الاتجاه الذي تسير نحوه الحضارة وفق إيقاع متسارع ، الحضارة الراهنة ، ويبدو أن الثقافة التي توسم عادة بالقضاء على العنف أصبحت مفاعلا يحث الإنسان على إنتاج العنف الحلو والعنف المر " (7) دون أن ننسى سرقة إنتاجاتهم الفكرية ، وعدم الإقرار أو الاعتراف بانتسابها إليهم في نهاية المطاف فيتحولون إلى موجة سهلة الركوب عليها  من طرف لصوص الإبداع والفكر لبلوغ أهدافهم ، وقد استطاع القاص مصطفى الغتيري الإشارة إلى هذه المسالة من خلال العديد من النصوص كنص "تناص" ص 19 (تسونامي) الذي يقارن من خلالة بين ابو العلاء في تصوفه وزهده وتفكره "بتمعن شديد في الجنة والجحيم " وبين دانتي من خلال طرح نفس السؤال بعد ثلاثة قرون ، يقول السارد " ترى هل اطلع صاحب الكوميديا الإلهية على رسالة الغفران ؟" ص19
إنه تساؤل ينفي التناص ، ويفرض إجابة صريحة لسؤال ملغوم ، لندرك فضح القصة لسرقة أدبية على نطاق عالمي ، فالعنوان "تناص" كان القصد منه الاستفهام ، ثم التشكيك ، في حقائق تاريخ الفكر الغربي وتعرية لكثير من المزاعم وإبراز لسرقة موصوفة ، نفس الطرح نجده في نص "عقبان " حيث تطفح المعادلة بطرح مليء بالشك ، وكأنها تحيلنا على نص تناص في بنائه بين زرادشت ونيتشه مع مفارقة الإحياء والتطوير الفكري الذي اعتمده نيتشه مجازا انطلاقا من أفكار زرادشت وما أثرت به الفكر الفلسفي  خلال عقود من الزمن بعدها "جاء نتشيه أيقظه ـ ـ أخرجه من قبره ـ ـ سلمه حصانا ـ ـ امتطاه فانطلق نحو به نحو البراري البعيدة ـ ـ "ص 47 إن حصان نيتشه هو في الأصل فكر زرادشت الجامح الذي انطلق في براري الفكر الحديث تحت اسم مستعار دون الإقرار بحق تاريخي ظل مسلوبا من صاحبه الأصلي.
لقد أطلق القاص مصطفى لغتيري ناقوس الخطر منبها إلى حقيقة يجب أن يعاد فيها النظر مشددا على ضرورة إرجاع الحق لأصحابه ، كما أن نهاية هذا النص تبرز بجلاء واقعا مأساويا يقول السار " هناك لمح زرادشت نهرا هادرا عب منه جرعات ، فحلقت فوق رأسه عقبان ، سرعان ما التهمت حمائمه الوديعة " ص 47
في نص نكاية " ص 23 يجسد القاص مصطفى لغتيري  تناصا فلسفيا عميقا من خلال اللعب بشكل متواز على طرحين فلسفيين الأول لجون بول سارتر بإقرار أولوية الوجود " الوجود أولا" والثاني لسيمون دي بوفوار التي أقرنت فكرة الأولوية للجنس اللطيف ، من خلال اعتماد مقاربة النوع الاجتماعي " المرأة أولا" وهو ما يبرز تطاحنا فكريا عميقا وإرهاصات خروج المرأة من قوقعة النسيان، نحو إقرار وجودها بالقوة وبالفعل، وهو ما تحقق ببروز تيارات فكرية وحقوقية نادت بالحقوق الكاملة والاعتراف لها وبها على جميع المستويات.
وهذه الفكرة سبق أن تم طرحها في نص آخر "خداع" ص16 من خلال اعتبار المرأة متساوية مع الرجل في الحقوق والاختيارات يقول السارد " في رحاب الجنة كان آدم وحواء متثاقلين ينقلان خطواتهما بانتشاء يتمليان روعة المكان من حوليهما " وهو إقرار بمساواة ضمنية وحضور للمرأة إلى جانب الرجل أمام الملأ في نزهة واقتراف لخطيئة مشتركة باتفاق وسبق إصرار دون الإحساس بالذنب " اطمأن أدم إلى حجته فالتهم هو وزوجته التفاحتين دون إحساس بالذنب " ص 16ـ
وإذا كانت فكرة النص المحورية كما تجلى ذلك من خلال العنوان " الخداع" فإن إيماءاته قادتنا إلى استكناه التواطؤ ودخول المرأة   حلبة المشاركة في القرارات الحاسمة، انطلاقا من الاقتناع وليس الإملاء والفرض وبالتالي الإقدام الواعي على الفعل باطمئنان ـ إن الاقتراب من المدنس على حساب المقدس في هذا النص الذي اتخذ مكانا له الجنة ، يفجر ضمنيا شرايين الخطيئة المقصودة والمبررة إلى حد الإقناع والتخلص من عقدة الذنب ،وتكسير لطرح سابق "ديني " وإرث ثقافي تناقلته العديد من الشعوب انطلاقا من كتبها المقدسة ليضحى طرح القصة القصيرة جدا خارقا ومخالفا للعادة وعاصفا بانتظارات مأمولة ومرغوبة .
IIبين منطق القصة القصيرة جدا و منطق التاريخ.
 
لقد استفادت القصة القصيرة جدا بانفتاحها على المتن التاريخي وأحداثه من خلال إعادة تجسيدها للحظات منفلتة، وبالتالي إعادة كتابتها بشكل مخالف الهدف منه إبراز الحقيقة التاريخية لفترة أو حدث بشكل بارق ووامض مختزلة إياه في بضعة أسطر أو فكرة ساخرة، تبعث على التأمل والشك والتفكير العميق بغية انتقاد أو إعادة تشكيل أو دفع نحو الرفض بالمسلمات، من خلال إعادة الحفر وضغط الحدث ليس بقصد التبرير أو التباهي أو التزوير للحقيقة بقدر ماهي محاولة لضغط الحدث وتقديمه للقارئ ممزوجا بشكل رهيب و بتركيز بعيد عن الإطناب والتزييف لوقائعه الحقيقية في نص   " حرية " ص 32 يقدم القاص مصطفى لغتيري  حرب الريف واندحار الإسبان اعتمادا على تشكيل لغوي لعبت فيه السخرية والمفارقة دورهما الأساسي  بلغة بليغة تقوم على أساس نبذ الانتماء العرقي واستصغار العدو واحتقاره اعتمادا على تحديد بليغ لمفهوم الحرية التي اعتبرها بكونها ليست " بالضرورة امرأة شقراء ذات عينين زرقاوين"ص 32 وهو ما ذهب إليه المفكر عبد الله العروي في تحديده لها يقول " يفند هيغل بشدة مفهوم الحرية الوجدانية ـ ـ فيقول في مستهل فلسفة القانون : أصل الصعوبة في هذا المضمار كون المرء يتأمل في ذاته ويبحث عن الحرية وعن قواعد الأخلاق ، وهذا حق له شريف ورباني ، إلا أنه ينقلب إلى الظلم إذا أنكر كل شيء سوى ذاته ولم يشعر بالحرية إلا عندما يبتعد عن قيم الجمهور ويتوهم أنه سيكتشف قيمة خاصة به" (8)
إن الدرس الذي استخلصه الإسبان في حرب الريف كان قاسيا جدا، وقد أظهر النص وجهة نظر تاريخية إنسانية ترقى إلى مستوى فكري كوني في تحديد مفهوم ، حاولت الإمبريالية بمستشرقيها ترويجه من أجل تحقيق أطماعها التوسعية في مختلف بقاع العالم ، وفي تحليله لهذا النص يرى الناقد إسماعيل البويحياوي أنه " نقد لقيم الظلم والاستعمار واحتقار الآخر كما مارسه الغرب الاستعماري على المغرب وإفريقيا وأسيا وأمريكا الجنوبية ، فإسبانيا غزت بلاد الريف معتقدة أن الحرية وقف عليها كهوية أوربية وسمة مميزة لصيقة بها دون غيرها من الأجناس البشرية واندحار(الإسبان) في الريف لقنهم درسا مفاده أن الحرية صفة إنسانية وليست قيمة يحتكرها الأوربي ويفتقر إليها غيره" (9) إن العبرة التي استخلصها الإسبان في حرب الريف تم ترويجها في نص آخر " كسوف " ص 62 من خلال طرح مشكل الإستعمار البريطاني في آسيا وكيف "بزغ في بلاد الهند الفقيرة قمر عار ـ ـ ببطء وثبات زحف في كبد السماء ،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الحب والموت وأسئلة أخرى

كتبها حميد ركاطة ، في 1 نوفمبر 2009 الساعة: 22:19 م

 

الحب والموت وأسئلة أخرى

 

قراءة في  "أجساد وقبرة"للقاص رشيد البوشاري

 

                                                                                      ركاطة حميد

 

تتميز نصوص القاص رشيد البوشاري من خلال مجموعته القصصية " أجساد وقبرة"(1) بكثافتها اللغوية وارتداد صوت السارد نحو الداخل من خلال توظيف ضمير المتكلم الذي يفرض سحره وهيمنته على القارئ فتتبدد مسافة الحكي الذي يضحى أكثر واقعية وحميمية بحيث تتركب الأحداث من مجموعة من الصور الدالة  والأحاسيس الخاصة النابعة من الأعماق  لتأخذ طابعها المألوف  من خلال الإعلان عن مواقف غير محددة .

والمجموعة اتخذت لها تجنيسا عاما " قصص" رغم كونها تضم بين حناياها القصص القصيرة والقصيرة جدا وهذه الأخيرة استأثرت بنصيب الأسد ‘ أربعة عشر نصا ‘  بالإضافة إلى إهداء  اشتملت على فقرة للكتاب فرنادو بيسوا ، وبيتين شعريين الأول للشاعر عبد القادر الطاهري والثاني للمرحوم عبد الله راجع . بالإضافة إلى تقديم للدكتور جمال بوطيب .

إن توشيح صدر المجموعة بتجنيس فضفاض " قصص " لا يعبر عن اختيار واضح  رغم هيمنة النصوص القصيرة جدا وهو ما يطرح سؤال التجنيس بحدة . وهو سؤال سبق وأن طرحته الناقدة سعاد مسكين في ورقتها التي ساهمت بها في المهرجان الوطني الأول للقصة القصيرة جدا بالفقيه بنصالح دورة إبراهيم بوعلو  حيث تساءلت " لماذا  لا يحسم القاص في ميثاقه مع القارئ بشان جنس عمله ؟ هل هو تخوف من الحكم على عمله بمقاييس الجنس الأدبي أم أن القاص ما زال يشك في انتماء ما يكتبه إلى هذا الجنس ؟ وهل عدم صفاء العمل القصصي على اعتبار أنه يجمع بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا هو ما يبرر السمة الجنسية ؟ (2) في حين يؤكد  الناقد الكبير الأستاذ نجيب العوفي أن الظاهرة القصصية " كنظيرتها الظاهرة الشعرية ، مهما  تحررت وشطت لا بد لها من معيار في الزمان تنحقب به ومعيار في الأدب  تتجنس به  ، ومعيار في اللغة والأسلوب تتحدد به  ، وإلا حلقت  الظاهرة الإبداعية  في سديمها الخاص ، غير آبهة إلا بمعيارها الخاص " ( 3)

لقد اتسمت أغلب النصوص بطابع حواري بين بطلين ذكر وأنثى  وهو ما يحيل على كونها كتابة تنطلق من الذات ثم تعود إليها من خلال حوار يتم عن طريق الاسترجاع والتذكر منه ما تم بصيغة الماضي " بسذاجة من يعشق الآن سألها " ص 44  أو عن طريق الحوار المباشر "  في عينيها لمحت سرابا " ص 45 . كما عثرنا على نص تميز بطابعه الخاص " ذات يوم " ص 46 والذي تم السرد فيه على لسان الحيوانات وتنكر على مستوى الخطاب للدلالة على وضع جد متأزم وحالات نفسية جد متوترة  مما  أحال على قدرة هائلة في التوظيف  بالنزوح نحو استعمال قالب عجائبي / تراثي محض ك( كليلة ودمنة مثلا). فانسنة الحيوانات تحيل على واقع  مليئ بالسخرية  تعبيرا عن لحظة أو لحظات قد تكون شعورية أو لا شعورية عن طريق الإيحاء لإدهاش القارئ " لذلك تم اللجوء إلى عالم الحيوان وغيرها  لأنسنة حياتها من جهة ، ولإضفاء أبعاد دلالية أعمق (على) علاقات الناس بتمثيلها بالعلاقات  السائدة بين الحيوانات ، إمعانا في فضح الزيف المتسرطن في علاقات الإنسان بأخيه الإنسان ، لذلك فاستعارة القيمة الذهنية النمطية وإعادة تشكيلها وفق أبعاد مغايرة ومختلفة عما دأب الناس عليه في تلقيها وتأويلها كفيل بكشف عورة القهر والغدر والأنانية والجشع وسائر الأخلاق والعلاقات المنحطة … ويختلف عن كليلة ودمنة الذي يبدو انه أقرب  للموعظة منه إلى القصة "(4)

إنها نصوص  تحمل في طياتها حنينا  نحو الطفولة  ، والبحث عن ذكريات لا يزال أريج عشقها يغمر أمكنة مصادرة،  فحواها قلب مكلوم  مليء بالأسئلة الباحثة   عن الطهر  والصدق  جسدتها عتبات النصوص المستنفرة للحواس : أجساد وقبرة / ليس السراب ماء / شظايا / ملل / أكليل على نعش / سمك العشق …

كما تميزت نصوص المجموعة  كذلك بجملها القصيرة جدا والغير تامة أحيانا  محيلة على  اختناق وصمت هادر وأسئلة بدون أجوبة  محيلة على إضمار غامض وبياض جد متمنع  وبتشكيل خاص  في بعض النصوص التي اتخذ رسما مغايرا ( على شاكلة القصيدة العمودية) ص 40 و42  حيث تنتفي فيه الأصوات أحيانا ليضحى (النص) منولوغا كما هو الأمر في نص سعادة مؤقتة ص 39 وأجساد وقبرة " ص 35 حيث يهيمن الصوت الواحد للسارد "البطل" واصفا أعتى اللحظات قلقا وتوثرا .

 العزلة وأسئلة الموت …

لقد شكلت العزلة  ورفض الشيخوخة والموت والفشل في اختراق الحاجز النفسي  وسؤال الحب إضافة إلى توظيف القالب الحكائي وشعرنة النص القصصي ( شعرية القصة)  والرغبة في الحياة ورفض الظلم الاجتماعي  والمزج بين الواقع والخيال ونبد الفكر الغيبي ، أهم المواضيع التي تناولتها القصص القصيرة جدا في مجموعة أجساد وقبرة  وهو ما منحها تنوعا  كذلك على مستوى القوالب الموظفة  فجاءت  أحداث النصوص تجري في فضاءات متنوعة داخلية وخارجية وأحينا أخرى في ذات البطل  مما منح بعض النصوص طابعا نفسيا محضا ومجالا لوقوع أحداث أخرى او تتمتها .  كما تم اعتماد قصص قصيرة جدا مليئة بقط الحذف تعبير عن انحباس وصمت وتوتر .

في نص أجساد وقبرة يبرز الكاتب شخصين ملا من تجاذب أحاديثهما عن "الحب والحياة والنساء والخيانة والحلم " رغم ما تشكله من إثارة في الواقع لكنها داخل فضاء مغلق ومعزول " تضيع (فيه) الأسئلة عبر عجز الأجوبة "بتسلل الفراغ والملل الذي لم يدم طويلا بانقضائه صدفة وتهدمه حصاره "بنقرات قبرة …تحتضر"

إن الإحساس الذي عم الفضاء المغلق بعد الملل من الاستماع للمذياع وإخراسه من طرف البطل حول اهتمام شخصي النص  نحو الخارج لمشاهدة القبرة وهي تنقر نقرات متتالية على أن توقفت معلنة عن موت خارجي ووحدة قاتلة لبطلين سلبيين يقول السارد " تتوقف القبرة عن نقرها وتختفي في بياض النهار …نتيه وسط الزحام …نغادر الخواء كي لا نسمع نداء القبرة وهي تستنجد ـ ربما بنا ـ من ذئب تسلل إليها عبر شقوق الوحدة" ص 36

إن رفض تقديم المساعدة للقبرة شكل موقفا سلبيا يسجله النص مما يحيل على موت ضمني آخر للقيم . فأجساد وقبرة يعلن حالة موت مطلقة منذ البداية يقول السارد " هناك في الخواء حيث حمرة السماء تعانق كل مساء أشباح بيوت كأنها أموات .. ثمة أنا وآخرون نتكرر تحت وطأة الصمت وسلطة الفراغ ..ال..ف..ا.." ص35

لقد تجسد الموت من خلال نصوص المجموعة بأشكاله المتعددة فمن الموت النفسي بالعزلة والعجز  المؤدي إلى الانتحار كما هو الأمر في نص " ملل" الذي يحكي عن تقاعد رجل فاختار الموت الإرادي على الاستمرار في الحياة لكننا نتساءل هل يعني التقاعد عن العمل تقاعس مفضي إلى الانتحار أو الموت ألا إرادي ؟ هل علينا الاستسلام في خريف العمر ونكتفي بالأمل بالتمسك بحبل النجاة لأمد قصير للارتماء بعدها في حضن الفراغ وبالتالي الموت ؟

إنها  أسئلة تفرضها مرحلة جد حرجة  من عمر الإنسان  لتلفه هواجس غريبة تعمق جراح العزلة والعجز عن الحركة وتضعف من القدرة والمبادرة ليتحول التفكير في الماضي وأمجاده على حساب الحاضر الذي يغيب قسرا لقسوة لحظاته مما تفضي معه العودة إلى الواقع مرفقة  بصدمة تدفع للاستسلام يقول السارد" انتهى منه العمل بعد الستين فامتطى صهوة زمنه المتبقي ليسافر بعيدا عن فكرة الفراغ .. استسلم العجوز لرتابة الزمن وقرر الموت في حضن الفراغ وعلى أريكة الملل " ص 41

لقد تخللت النص مقاطع شكلت تقابلات أطرتها مفارقات قاتلة بين السكون والحركة الحنين لأيام العمل والعجز / تمسك المركب الذي تتقاذفه الأمواج بحبل النجاة / استسلام العجوز لرتابة الزمن ، مما يحيل على تشكل قرار خاطئ وانتحار قبل الأوان .

إن المقارنة بين المركب والعجوز جعلت من النص يأخذ بناء متوازيا ناطقا بحكمة غريبة مفادها عدم الاستسلام لأنه موت ..

إن مفهوم الموت  تجلى في نص آخر " أكاليل على نعش " بنفس شاعري ساخر وعجائبي في نفس الوقت وهو ما يجعلنا نتحدث عن شعرية القصة عند القاص رشيد البوشاري لتكرر الأمر في نص آخر .

فالنص تميز ببنائه على شكل قصيدة عمودية وقد أطر هذا البناء منذ البداية تصدير ببيت شعري للمرحوم الشاعر محمود درويش " وحين أعود إلى البيت فارغا إلا من الوحدة " معلنا عن اختراق النص القصصي القصير جدا لجنس آخر وهو توظيف وجدناه في نصوص القاص المغربي عبد الله المتقي سواء في مجموعة الكرسي الأزرق أو في قليل من الملائكة (5). وقد أبان القاص رشيد البوشاري عن مقدرة عالية في تطويع اللغة وبناء الصور بانزياحها البليغة رثاء للموت والفقدان .

إن صوت البطل توارى إلى حد بعيد وراء صوت سارد ينقل احتراقا كبيرا تم التعبير عنه برمزية عالية تعبيرا عن مأساة اعتمادا على تشكيل نص اتخذ رسما عموديا تتخلله جمل طويلة دالة كسرت الملمح البصري للقصيدة التي صارت مزوجة بالنص السردي دون أن تحد من فعاليته أو تكسر إيقاعه الموسيقي الذي ظل مستمرا حتى النهاية حفاظا على وحدة المعنى وجمالية التشكيل .

والنص يرصد لحظة الوداع الأخيرة على عدة مستويات :

أ ـ كون الموت خلاص من "صخب العالم"

 و هو خلاص تتحول  فيه أصوات الموكب الجنائزي المرافق نحو المثوى الأخير إلى عويل ذئاب صاخب وقاتل يقول السارد "يطرد النعاج من حولي يذبح الرعاة بمدية الفراغ " مع تخلل هذا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي