الكاتب حميد ركاطة وفتنة النحافة في الأدب
حسام الدين نوالي
١٨ أيلول (سبتمبر) ٢٠١١
حين التقيته في ضيافة مالكة عسال ذاتَ ربيع بابن أحمد، عرفتُ أنه أتى ـ مثلي ـ من مدينة تتوسدها حورية الماء والظل والأَرز. وحين جالستُه ذات شتاء في مقهى نرقب المطر يغسل مدينتنا ونتحدث عن أبراج برطال، ورصاصات المتقي، وفراشة الرافعي و حب الماعزي وأسماك الغرباوي وبرق الزهرة رميج وغيرهم؛ أيقنت أن شعلة ما تسكنه، وعشقت جلساته.
وحين اتفقنا بعد زمن على لحظة من أجل هذا الحوار، كان لزاما عليّ أن أجد منفذا في غفلة عن وقتي المكدس، والسفر الذي أرتبه بعيدا عن خنيفرة، ثم وجدتُني أرتب حوارا معه وهو الكاتب المتعدد الذي كتب الشعر والقصة والرواية والنقد واشتغل بالمسرح وبأدب الطفل … ووجدتني أتوه في هذا الفيض وأحتار من أين أبدأ.
وحين قرأت "كان القص يعبرني" أيقنت أن المبدع فيه "رؤيا" يحكيها القص وتؤولها آلاف الشخوص والمحكيات ووددتُ لو أدخل رحابه من الباب المفضي للقص القصير تحديدا، لأسأله كيف -بعد المسرح والنقد والشعر وما لا أدري- صار يعشق الإطلال على العالم من ثقب الباب؟فقال:
" الإطلالة على عالم القصة القصيرة جدا لم يكن يسيرا نظرا لما تتطلبه كتابة هذا الجنس من كثافة وحذف وإضمار وجرأة وقصصية ووحدة ، أمر لم يكن من الهين الاستمرار فيه لولا الإصرار والبحث عن الجديد وتطعيم جسم القصة الضامر بتقنيات جديدة والانفتاح على الأجناس السردية الأخرى "شعر رواية مسرح أسطورة حكاية نكتة …
عشق الق ق ج جاء من حيث لا أدري فنصوصي كتبتها منذ زمن بعيد لكني لم أكن راض عنها ورفضت إخراجها لأنني كنت أراها أقرب إلى الخاطرة أو الشذرة ولم تكن في نظري قد بلغت نضجها الحقيقي فالنص الواحد قد يستغرق أسابيع وربما أشهر عندما أصاب بالاحتباس وقد كنت أتحدى نفسي أو صوتا بداخلي تمرس على الإسهاب لينتقل فجأة دون سابق إنذار لكتابة قصص ضامرة وهزيلة وزئبقية. لقد كان في نظر أصدقائي ضربا من الجنون لكني كنت أعتبره ضربا من التحدي ومواكبة ركب في طريقه نحو القمة لأن المستقبل كل المستقبل للسرد القصير النفس في كل الأجناس.
هذا الميكرو-إبداع، أو الصناعة الإبداعية الخفيفة التي صارت تغري الكثيرين، أليست خطرا إبداعيا على مستوى الكتابة وعلى مستوى صناعة الذوق السريع وأيضا على مستوى المتابعة والتأطير النقديين؟
ربما لا أرى في الوقت الراهن خطورة ما ، لكن يجب أن ننظر إليه من زاوية أن التطور حتمي للأشياء؛ فالكائنات تطورت منذ بدء الخلق على الأرض فليس معدل حياة الفرد الذي كان سائدا ولا حتى بنيته الجسدية هي التي عليها اليوم، وكذا الكائنات. فمنها ما انقرض ولم يعد له وجود.
المشكل لا يكمن في القصر لأن القصر اليوم هو سمة العصر سواء في النفس والقدرة وطول أمد العلاقة (مهما كانت حتى العلاقات الجسدية والإنسانية …) بمعنى أن الأشكال القصيرة أضحت محببة بل مرغوب فيها والأمر ناتج عن وعي المبدع ومسايرته لعصره فشروط الحياة تغيرت وكذا ظروفها ففي ستينات القرن الماضي كانت روائع السيدة أم كلثوم هي النموذج المفضل لغالبية محبي الفن الراقي ولكن بدخولنا لعصر العولمة والسرعة والتحول التكنولوجي لم يعد من المحبب بل من المقبول بالمطلق هدر الزمن الهارب بشكل تعسفي. فالأعمال الرائجة اليوم هي أعمال أدبية وفنية تخلصت من دهونها واكتنازها ولعبت على نحافة هي مثار كل الأذواق بل أصبحت السمنة التي كانت مثار أعجاب في كل المظاهر اليوم مجرد تبعات ماض ثقيل يعمل الكل على التخلص منه باللجوء إلى عمليات التجميل والظهور بالمظهر اللائق والمقبول. الرواية هي الأخرى خضعت لهذا المنطق وإن كانت لا تزال أعمال تتعدى ثلاثمائة صفحة في الظهور وممارسة سحرها الكبير .
بخصوص المتابعة والتأطير النقديين أرى أن آليات الاشتغال يجب أن تتغير. فلا يجب الاستهانة بالصعوبة التي تواجه نقاد هذا الجنس ولا المشاق التي يتحملونها في سبيل إخراج متابعة أو دراسة نقدية للوجود فاشتغالهم ذؤوب وشاق وعسير في ظل تراكم مهم وغياب مواكبة سريعة فنقاد القصة القصيرة جدا يعدون اليوم في العالم العربي على رؤوس الأصابع وهنا أريد أن أفتح قوسا لأثمن المبادرة التي قام بها الدكتور جميل حمداوي وتأسيس الهيئة العربية لنقاد القصة القصيرة جدا التي ستساهم كثيرا في مواكبة العديد من الأعمال المنشورة خلال السنوات الأخيرة. فلا يمكن الحكم على القص القصير النفس بكونه المسؤول على انحطاط الذوق والاستسهال في الكتابة وصناعة الذوق السريع لماذا لأن هذا الجنس من أصعب الأجناس كتابة فليس بمقدور من كان أن يدعي كتابة القصة القصيرة جدا، ومن خلال تتبعي للمشهد الثقافي العربي لا حظت أن هناك ترحالا للكتابة في هذا الجنس لكتاب راكموا تجارب لا يستهان بها في كتابة أجناس أخرى وهذا أمر يمكن تلخيصه في فكرة واستنتاج له دلالته يكمن في غواية القص القصير جدا وجاذبيته المطلقة ، فهي كشبكة "سودوكو" تبنى فيها القصة عبر مراحل وتدفع لركوب تحدي قد تعصف بصاحبها إن أخطأ في معادلة كتابتها ولم يتوخ الحذر أثناء البناء .
بخصوص كتابتك أنت، وحين تنهي نصا ما، هل تقرأه كناقد وتبرأ من الأب الحنون الدي يتع

























